فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 399

قالَ الإمامُ أحمدُ فيما أملاه في الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ: الكلِمَةُ الَّتي ألقاهَا إلى مريمَ حينَ قالَ له: (كُنْ) فكانَ عيسَى بـ (كُنْ) ، وليسَ عيسَى هو كُنْ، ولكنْ بِكُنْ كانَ، فكُنْ مِنَ اللهِ قولٌ، وليسَ: كُنْ، مخلوقًا، وكَذَبَ النَّصارى والجهميَّةُ عَلَى اللهِ في أمرِ عيسَى؛ وذلك أنَّ الجَهْمِيَّةَ قالَت: عيسىَ رُوحُ اللهِ وكلمتُهُ، إلا أنَّ الكلِمَةَ مَخْلُوقَةٌ، وقالَت النَّصارَى: عيسَى رُوحُ اللهِ من ذاتِ اللهِ، وكلمةُ اللهِ مِن ذاتِ اللهِ، كمَا يُقالَ: إنَّ هذهِ الخِرْقَةَ مِن هذا الثَّوْبِ، وقلنا نحنُ: إنَّ عيسَى بالكلِمَةِ كانَ، وليسَ عيسى هو الكلِمَةَ. انْتَهَى، يعني بهِ ما قالَ قتادةُ وغيرُهُ.

قولُهُ: (ألقاهَا إلى مريمَ) قالَ ابنُ كثيرٍ: خَلقَهُ بالكَلِمَةِ الَّتي أرْسَلَ بِهَا جَبْرَائِيلَ -عليهِ السَّلامُ- إلى مريمَ، فنفخَ فيها من رُوحِهِ بإذنِ ربِّهِ عزَّ وجلَّ، فكانَ عيسَى بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وصارَتْ تلكَ النَّفْخَةُ التي نَفَخَهَا في جَيْبِ دِرْعِهَا فنزلَتْ حَتَّى وَلَجَتْ فَرْجَهَا، بمنزلةِ لِقَاحِ الأبِ الأُمَّ، والجميعُ مَخْلُوقٌ للهِ عزَّ وجلَّ، ولهذا قيلَ لعيسى: إنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ منه؛ لأنَّهُ لم يَكُنْ له أبٌ تولَّدَ منهُ، وإنَّما هو ناشِئٌ عن الكَلِمَةِ التي قالَ له: كُنْ، فكانَ، والرُّوحِ التي أُرْسِلَ بِهَا جَبْرَائِيلُ عليهِ السَّلامُ.

قولُهُ: (وَرُوحٌ مِنْهُ) قالَ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ: عِيسَى رُوحٌ من الأرْوَاحِ التي خلقَهَا اللهُ عزَّ وجلَّ واسْتَنْطَقَهَا بقولِهِ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلَى} [الأعْرَاف: 172] بَعَثَهُ اللهُ إلى مَرْيَمَ فدَخَلَ فيها. رَوَاهُ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في زوائِدِ (( المُسْنَدِ ) )وابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتِمٍ وغيرُهُم. وقالَ أبو رَوْقٍ: (وَرُوحٌ منْهُ) أي: نَفْخَةٌ منه؛ إذ هي من جَبْرَائِيلَ بأمرِهِ، وسُمِّيَ رُوحًا؛ لأنَّهُ حَدَثَ من نَفْخَةِ جَبْرَائِيلَ عليهِ السَّلامُ.

وقالَ الإمامُ أحمدُ: (وَرُوحٌ مِنْهُ) يقولُ: مِن أَمْرِهِ كانَ الرُّوحُ فيه، كقولِهِ: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثِيَة: 13] يقولُ: من أَمْرِهِ.

وقالَ شيخُ الإسلامِ: المُضَافُ إلى اللهِ تعالى إذا كانَ معنًى لا يقومُ بنفسِهِ ولا [بغيرِهِ من المخلوقاتِ وَجَبَ أن يكونَ صِفةً للهِ تعالَى قائِمًا، وامْتَنَعَ أن يكونَ] [1] إضافتُهُ إضافةَ مَخْلُوقٍ مَرْبُوبٍ، وإنْ كانَ المُضافُ عينًا قائِمَةً بنفْسِهَا، كعيسى وجَبْرَائِيلَ عليهما السَّلامُ وأرْوَاحِ بني آدمَ، امْتَنَعَ أن يكونَ صِفَةً للهِ تعالى؛ لأنَّ ما قامَ بنفسِهِ لا يكونُ صفةً لغيرِهِ، لكنَّ الأعيانَ المُضافةَ إلى اللهِ تعالى عَلَى وجهينِ:

أحدِهِمَا: أن تكونَ تُضَافُ إليه لكونِهِ خَلَقَهَا وأبدَعَها، فهذا شامِلٌ لجميعِ المخلوقاتِ، كقولِهِم: سماءُ اللهِ، وأرضُ اللهِ، ومِن هذا البابِ، فجميعُ المخلوقينَ عبيدُ اللهِ، وجميعُ المالِ مالُ اللهِ، وجميعُ البُيُوتِ والنُّوقِ للهِ.

الوجهِ الثَّاني: أن يُضَافَ إليهِ لِمَا خَصَّهُ بهِ مِن معنًى يُحِبُّهُ ويَأْمُرُ بهِ ويَرْضَاهُ كمَا خَصَّ البيتَ العَتِيقَ بعِبَادَةٍ فيهِ لا تكونُ في غيرِهِ، وكمَا يُقالَ عن مالِ الفيءِ والخُمُسِ: هو مالُ اللهِ ورسولِهِ، ومن هذا الوجْهِ فعِبَادُ اللهِ هم الَّذينَ عَبَدُوه وأطاعُوا أمرَهُ، فهذا إضافةٌ تَتَضَمَّنُ أُلُوهِيَّتَهُ وشَرْعَهُ ودِينَهُ وتلكَ إضافَةٌ تَتَضَمَّنُ رُبُوبِيَّتَهُ وخَلْقَهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

والمقصودُ منه أَنَّ إِضَافَةَ رُوحِ اللهِ هو من الوجهِ الثَّاني، واللهُ أعلَمُ.

قولُهُ: (والجنَّةُ حَقٌّ والنَّارُ حَقٌّ) أي: وشَهِدَ أنَّ الجنَّةَ التي أَخْبَرَ بِهَا اللهُ في كتابِهِ أنَّهُ أعدَّهَا لمَنْ آمنَ بهِ وبرسولِهِ حقٌّ، أي: ثابتةٌ لا شَكَّ فيها، وشَهِدَ أنَّ النَّارَ التي أخْبَرَ اللهُ في كتابِهِ أنَّهُ أعدَّهَا للكافرينَ بهِ وبرُسُلِهِ حقٌّ كذلِكَ، كمَا قالَ تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21] وقالَ تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البَقَرَة: 24] وفيهما

(1) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت