فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 399

دليلٌ عَلَى أنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ الآن، خِلافًا لأهلِ البِدَعِ الَّذينَ قالُوا: لا يُخْلَقانِ إلَّا في يَوْمِ القِيَامَةِ، وفيه دليلٌ عَلَى المَعَادِ وحَشْرِ الأَجْسَادِ.

قولُهُ: (أَدْخَلَه اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كانَ مِن العَمَل) هذه الجمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وفي رِوَايَةٍ: (( أَدْخَلَه اللهُ الجَنَّةَ مَنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَمَانِيَةِ ) )قالَ القاضي عِياضٌ: وما وَرَدَ في حديثِ عُبَادةَ يكونُ خُصُوصًا لمَنْ قالَ ما ذكرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وقَرَنَ بالشَّهادتينِ حقيقةَ الإيمانِ والتَّوحيدِ الَّذي وَرَدَ في حديثِهِ، فيكونُ له من الأجْرِ ما يَرْجَحُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، ويُوجِبُ له المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ ودُخُولَ الجنَّةِ لأوَّلِ وَهْلَةٍ.

(4) قولُهُ: (ولهما) أيْ: للبُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ في (( صَحِيحَيْهِمَا ) )وهذا الحديثُ طَرَفٌ من حديثٍ طويلٍ أخْرَجَهُ الشَّيخانِ كمَا قالَ المصنِّفُ. وعِتْبَانُ - بكسرِ المُهْمَلَةِ بعدَهَا مثناةٌ فوقيَّةٌ ثُمَّ مُوحَّدَةٌ - ابنُ مالِكِ بنِ عُمَرَ بنِ العَجْلَانِ الأنْصَارِيُّ, مِن بني سالِمِ بنِ عَوْفٍ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ، ماتَ في خِلافةِ مُعَاوِيَةَ.

قولُهُ: (فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ ... الحديثَ) .

اعْلَمْ أنَّهُ قد وَرَدَتْ أحاديثُ ظاهِرُهَا أنَّهُ مَن أَتَى بالشَّهادتينِ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ، كهذا الحديثِ، وحديثِ أَنسٍ قالَ: كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، فَقالَ: يَا مُعَاذُ. قالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قالَ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ عَلَى النَّارِ ) )قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا أُخبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟. قالَ: (( إِذًا يَتَّكِلوا ) )فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا، أخْرَجَاهُ.

ولمُسْلِمٍ عن عُبَادَةَ مَرفوعًا: (( مَنْ شَهِدَ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ ) ).

ووَرَدَتْ أحاديثُ فيها أنَّ مَن أتَى بالشَّهادتيْنِ دَخَلَ الجنَّةَ، ولَيْسَ فيها أنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَى النَّارِ.

منها حديثُ عُبَادَةَ الَّذي تَقَدَّمَ قبلَ هذا، وحديثُ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُم كانُوا معَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ... الحديثَ، وفيهِ: فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَشْهَدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ لاَ يَلْقَى اللهَ بهمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ ) )رواهُ مسلمٌ.

وحديثُ أبي ذَرٍّ في (( الصَّحِيحَيْنِ ) )مرفوعًا: (( مَا مِنْ عَبْدٍ قالَ: لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ ... ) ).

وأحسنُ ما قيلَ في معناهُ ما قالَه شيخُ الإسلامِ وغيرُهُ: إنَّ هذه الأحاديثَ إنَّما هي فيمَنْ قالها وماتَ عليهَا, كمَا جاءَتْ مقيَّدَةً، وقالها خالِصًا من قلْبِهِ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قلبُهُ، غيرَ شَاكٍّ فيها بصدْقٍ ويقِينٍ، فإنَّ حقيقةَ التَّوحيدِ انْجِذَابُ الرُّوحِ إلى اللهِ جملةً، فمَنْ شَهِدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ خالِصًا من قلبِهِ، دخلَ الجنَّةَ؛ لأنَّ الإخلاصَ هو انْجِذَابُ القلْبِ إلى اللهِ تعالى بأن يتوبَ من الذُّنُوبِ تَوْبَةً نَصُوحًا، فإذا ماتَ عَلَى تلكَ الحالِ نالَ ذلك؛ فإنَّهُ قد تواتَرَتِ الأحاديثُ بأنَّهُ يَخْرُجُ من النَّارِ مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ وكانَ في قلبهِ من الخيرِ ما يَزِنُ شعيرةً، وما يَزِنُ خَرْدَلَةً وما يَزِنُ ذَرَّةً، وتواتَرَتْ بأنَّ كثيرًا ممَّنْ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ يَدْخُلُ النَّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ منها، وتواتَرتْ بأنَّ اللهَ حرَّمَ عَلَى النَّارِ أن تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ من ابنِ آدمَ، فهؤلاءِ كانُوا يُصَلُّونَ ويَسْجُدُونَ للهِ، وتواترَتْ بأنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ مَن قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، ومَن شَهِدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ. لكنْ جاءَتْ مُقَيَّدَةً بالقُيُودِ الثِّقَالِ، وأكثرُ مَن يَقُولُها لا يَعْرِفُ الإخْلَاصَ ولا اليقينَ، ومَنْ لا يَعْرِفْ ذلك يُخْشَ عليهِ أن يُفْتَنَ عنها عندَ الموتِ، فيُحَالَ بينَهُ وبينَهَا، وأكثرُ مَن يقولُها إنَّما يقولُها تقليدًا أو عادةً، ولم يُخَالِطِ الإيمانُ بشَاشَةَ قلْبِهِ، وغالِبُ مَن يُفْتَنُ عندَ الموتِ وفي القُبُورِ أمثالُ هؤلاءِ كمَا في الحديثِ: سَمِعْتُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا فقُلْتُهُ. وغالِبُ أعمالِ هؤلاءِ إنَّما هو تقليدٌ واقْتِدَاءٌ بأمثالِهِم وهمْ أقربُ النَّاسِ من قولِهِ تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزُّخْرُف: 23] وحينَئِذٍ فلا مَنَافَاةَ بينَ الأحاديثِ، فإنَّهُ إذا قالها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت