فهرس الكتاب
بإخلاصٍ ويقينٍ تامٍّ، لم يكنْ في هذه الحالِ مُصِرًّا عَلَى ذَنْبٍ أصلًا، فإنَّ كمَالَ إخلاصِهِ ويقينَه يُوجِبُ أنْ يكونَ اللهُ أحبَّ إليهِ مِن كلِّ شيءٍ، فإذًا لا يبقَى في قلْبِهِ إرادةٌ لِمَا حَرَّمَ اللهُ ولا كراهِيَةٌ لِما أَمَرَ اللهُ، وهذا هو الَّذي يَحْرُمُ من النَّارِ، وإنْ كانَتْ له ذُنُوبٌ قبلَ ذلِكَ؛ فإنَّ هذا الإيمانَ، وهذه التَّوبةَ، وهذا الإِخْلاصَ، وهذه المحبَّةَ وهذا اليقينَ، لا يَتْرُكُونَ له ذَنْبًا إلا يُمْحَى كمَا يُمْحَى الليلُ بالنَّهارِ، فإذا قالَها عَلَى وجهِ الكمَالِ المَانعِ من الشِّركِ الأكبَرِ والأصْغَرِ، فهذا غيرُ مُصِرٍّ عَلَى ذنبٍ أصلًا، فيُغْفَرُ له ويُحَرَّمُ عَلَى النَّارِ، وإن قالَها عَلَى وجْهٍ خَلَصَ بهِ من الشِّرْكِ الأكبرِ دونَ الأصغرِ، ولم يأتِ بعدَهَا بما يُناقِضُ ذلك، فهذه الحَسَنَةُ لا يُقَاوِمُهَا شيءٌ من السَّيِّئاتِ، فيُرَجَّحُ بِهَا مِيزَانُ الحَسَنَاتِ، كمَا في حديثِ البِطَاقَةِ, فيُحَرَّمُ عَلَى النَّارِ, ولكنْ تَنْقُصُ دَرَجَتُهُ في الجنَّةِ بقَدْرِ ذُنُوبِهِ، وهذا بخلافِ مَن رَجَحَتْ سيِّئاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ وماتَ مُصِرًّا عَلَى ذلك، فإنَّهُ يَسْتَوْجِبُ النَّارَ، وإن قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وخَلَصَ بِهَا من الشِّركِ الأكبرِ، لكنَّهُ لم يَمُتْ عَلَى ذلك، بل أَتَى بعدَ ذلِكَ بسيِّئاتٍ رجَحَتْ عَلَى حَسَنَةِ تَوْحِيدِهِ، فإنَّهُ في حالِ قولِها كانَ مُخْلِصًا، لكنَّهُ أتى بذُنُوبٍ أَوْهنَتْ ذلك التَّوحيدَ والإخلاصَ فأضْعَفَتْهُ، وقَوِيَتْ نارُ الذُّنُوبِ حتىَّ أحرقَتْ ذلك، بخلافِ المُخْلِصِ المُسْتَيْقِنِ؛ فإنَّ حسناتِهِ لا تكونُ إلا راجِحَةً عَلَى سيِّئاتِهِ، ولا يكونُ مُصِرًّا عَلَى سيِّئَةٍ، فإنْ ماتَ عَلَى ذلك دَخَلَ الجنَّةَ، وإنَّما يُخَافُ عَلَى المُخْلِصِ أن يأتيَ بسيِّئاتٍ راجِحَةٍ تُضْعِفُ إيمانَهُ، فلا يقولُها بإخلاصٍ ويَقِينٍ مانِعٍ من جميعِ السَّيِّئاتِ، ويُخْشَى عليه من الشِّركِ الأكبرِ والأصغرِ، فإنْ سَلِمَ من الأكبرِ بقِي مَعَهُ من الأصغرِ، فَيُضيفُ إلى ذلك سيِّئاتٍ تَنْضَمُّ إلى هذا الشِّركِ، فيُرَجَّحُ جانِبُ السَّيِّئاتِ، فإنَّ السَّيِّئاتِ تُضْعِفُ الإيمانَ واليقينَ، فيَضْعُفُ بذلك قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ، فيَمْتَنِعُ الإخلاصُ في القَلْبِ، فيَصِيرُ المُتَكَلِّمُ بِهَا كالهاذي أو النَّائمِ، أو مَن يُحَسِّنُ صوتَهُ بآيةٍ من القرآنِ مِن غيرِ ذَوْقِ طَعْمٍ ولا حلاوةٍ، فهؤلاءِ لم يقولوها بكمَالِ الصِّدقِ واليقينِ، بل يأتونَ بعدَهَا بسيِّئاتٍ تَنْقُصُ ذلك الصِّدْقَ واليقينَ، بل يقولونها من غيرِ يَقِينٍ وصِدْقٍ ويموتونَ عَلَى ذلكَ ولهم سيِّئاتٌ كثيرةٌ تَمْنَعُهُم من دُخُولِ الجنَّةِ، وإذا كَثُرَتِ الذُّنُوبُ ثقُلَ عَلَى اللِّسَانِ قولُها، وقَسَا القَلْبُ عن قَوْلِها، وكرِهَ العَمَلَ الصَّالِحَ، وثَقُلَ عليهِ سماعُ القرآنِ، واسْتَبْشَرَ بذِكْرِ غيرِهِ، واطْمَأَنَّ إلى الباطِلِ واسْتَحْلَى الرَّفَثَ ومُخَالَطَةَ أهْلِ الغَفْلَةِ، وكَرِهَ مُخَالَطَةَ أهلِ الحقِّ، فمِثْلُ هذا إذا قالَها قالَ بلسانِهِ ما ليسَ في قلبِهِ، وبفيهِ ما لا يُصَدِّقُ عَمَلَه كمَا قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ الإيمانُ بالتَّحلِّي ولا بالتَّمنِّي، ولكنْ ما وَقَرَ في القُلُوبِ وصَدَّقَتْهُ الأعَمْالُ، فمَنْ قالَ خيرًا وعَمِلَ خيرًا قُبِلَ منه، ومَنْ قالَ شرًّا وعمِلَ شرًّا لم يُقْبَلْ منْهُ.
وقالَ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنِيُّ: ما سَبَقَهُمْ أبو بكرٍ بكثرةِ صيامٍ ولا صلاةٍ، ولكنْ بشيءٍ وَقَرَ في قلبِهِ. فمَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ ولم يَقُمْ بمُوجَبِها، بل اكْتَسَبَ مع ذلك ذُنُوبًا وسَيِّئاتٍ، وكانَ صادِقًا في قولِها مُوقِنًا بِهَا، لكنَّ ذُنُوبَهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ صِدْقِهِ ويَقِينِهِ، وانْضَافَ إلى ذلك الشِّركُ الأصْغَرُ العَمَلِيُّ، رَجَحَتْ هذه الأشياءُ عَلَى هذه الحَسَنَةِ، وماتَ مُصِرًّا عَلَى الذُّنُوبِ، بخلافِ مَن يقولُها بيقينٍ وصِدْقٍ تامٍّ، فإنَّهُ لا يموتُ مُصِرًّا عَلَى الذُّنُوبِ، إمَّا أنْ لا يكونَ مُصِرًّا عَلَى سيِّئَةٍ أصلًا أو يكونَ توحيدُهُ المُتَضَمِّنُ لصِدْقِهِ ويقينِهِ رَجَّحَ حَسَنَاتِهِ، والَّذينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ ممَّنْ يقولونَهَا قد فاتَهُم أحدُ هذين الشَّرطيْنِ: إمَّا أنَّهُم لم يقولُوهَا بالصِّدْقِ واليقينِ التَّامَّينِ المُنْافِيَيْنِ للسَّيِّئاتِ، أو لرُجْحَانِ السَّيِّئاتِ، أو قالوها واكْتَسَبُوا بعدَ ذلِكَ سيِّئاتٍ رَجَحَتْ عَلَى حَسَنَاتِهِم، ثُمَّ ضَعُفَ لذلك صِدْقُهُم ويَقِينُهُم، ثُمَّ لم يقولوهَا بعدَ ذلك بِصِدْقٍ ويقينٍ تامٍّ؛ لأنَّ الذُّنُوبَ قد أَضْعَفَتْ ذلك الصِّدقَ واليقينَ من قلوبِهِم، فقولُها من مِثْلِ هؤلاءِ لا يَقْوَى عَلَى مَحْوِ السَّيِّئاتِ, بل تَرْجَحُ سيِّئاتُهُم عَلَى حَسَنَاتِهِم. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وقد ذَكَرَ معناهُ غيرُهُ كابنِ القَيِّمِ، وابنِ رَجَبٍ، والمَنْذِرِيِّ والقَاضِي عِياضٍ، وغيرِهِم.
وحاصِلُه أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ سَبَبٌ لدُخُولِ الجنَّةِ، والنَّجاةِ من النَّارِ، ومُقْتَضٍ لذلك، ولكنَّ المُقْتَضِيَ لا يَعْمَلُ عَمَلَه إلا باسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ، وانْتِفَاءِ موانِعِهِ، فقد يَتَخَلَّفُ عنه مُقْتَضَاهُ لفواتِ شَرْطٍ مِن شُرُوطِهِ، أو لوجودِ مانعٍ. ولهذا قيلَ للحَسَنِ: إنَّ ناسًا يقولون: مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ، فقالَ: منْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ فأَدَّى حَقَّها وفرْضَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.