فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 399

وقالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ، لمَنْ سألَه: أليسَ لا إلهَ إلا اللهُ مِفْتَاحَ الجنَّةِ؟ قالَ: بلَى، ولكنْ ما مِن مِفْتَاحٍ إلا ولَه أَسْنَانٌ، فإن جِئْتَ بمِفْتَاحٍ له أسْنَانٌ فَتَحَ لك وإلا لم يَفْتَحْ. ويَدُلُّ عَلَى ذلك أنَّ اللهَ رَتَّبَ دُخُولَ الجنَّةِ عَلَى الإيمانِ والأعمالِ الصَّالِحَةِ، وكذلِكَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كمَا في (( الصَّحِيحَيْنِ ) )عن أبي أَيُّوبَ، أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ, أَخْبِرنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. فقالَ: (( تَعْبُدُ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُ بهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ) ).

وفي (( المُسْنَدِ ) )عن بَشِيرِ بنِ الخَصَاصِيَةِ قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُبَايِعَهُ، فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ شَهَادَةَ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلاةَ، وَأَنْ أُوتيَ الزَّكَاةَ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ، وَأَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ، وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَّا اثْنَتانِ، فَواللهِ مَا أُطِيقُهُمَا؛ الجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، فَقَبَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ ثُمَّ حَرَّكَهَا وَقالَ: (( فَلاَ جِهادَ وَلاَ صَدَقَةَ، فَبِمَ تَدْخُلُ الجَنَّةَ إِذًا؟ ) )قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, أُبَايِعُكَ عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ. ففي الحديثِ أنَّ الجِهَادَ والصَّدَقَةَ شَرْطٌ في دُخُولِ الجنَّةِ مَعَ حُصُولِ التَّوحيدِ، والصَّلاةِ، والحَجِّ، والصِّيامِ. والأحاديثُ في هذا البابِ كثيرةٌ.

وفي الحديثِ دليلٌ عَلَى أنَّهُ لا يَكْفِي في الإيمانِ النُّطقُ من غيرِ اعْتِقَادٍ، وبالعَكْسِ. وفيه تَحْرِيمُ النَّارِ عَلَى أهلِ التَّوحيدِ الكامِلِ، وفيه أنَّ العَمَلَ لا يَنْفَعُ إلا إذا كانَ خالِصًا للهِ تعالَى.

(5) أبو سَعِيدٍ: اسمُهُ سَعْدُ بنُ مالِكِ بنِ سِنَانِ بنِ عُبَيْدٍ الأنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وأبوه أيْضًا كذلِكَ، اسْتُصْغِرَ أبو سَعِيدٍ بأُحُدٍ، ثُمَّ شَهِدَ ما بعْدَهَا، ماتَ بالمدينةِ سَنَةَ ثلاثٍ أو أَرْبَعٍ أو خَمْسٍ وستِّينَ. وقيلَ: أرْبَعٍ وسبعينَ.

قولُهُ: (أَذْكُرُكَ) . هو بالرَّفعِ خبرُ مبتدأٍ مَحْذُوفٍ، أي: أنَا أذْكُرُكَ. وقيلَ: بل هو صِفَةٌ، وأدعُوكَ معطُوفٌ عليهِ، أي: أُثْنِي عليكَ وأَحْمَدُكَ بهِ. وأَدْعُوك، أيْ: أَتَوَسَّلُ بهِ إليكَ إذا دَعَوْتُكَ.

قولُهُ: (قلْ يا موسَى: لا إلهَ إلَّا اللهُ) . فيه أنَّ الذَّاكِرَ بِهَا يَقُولُها كُلَّها، ولا يَقْتَصِرُ عَلَى لفظِ الجلالَةِ كمَا يَفْعَلُه جُهَّالُ المُتَصَوِّفَةِ، ولا يقولُ أيضًا: هو، كمَا يقولُهُ غُلاةُ جُهَّالِهِم، فإذا أرادُوا الدُّعَاءَ قالوا: يا هو، فإنَّ ذلك بِدْعَةٌ وضَلَالَةٌ. وقد صَنَّفَ جُهَّالُهم في المسألتيْنِ، وصَنَّفَ ابنُ عَرَبِيٍّ كِتَابًا سَمَّاهُ كِتابَ (( الهُوَ ) ).

قولُهُ: (كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا) هكذا ثبَتَ بخطِّ المُصَنِّفِ. يقولُونَ بالجمعِ مُرَاعاةً لمعنَى كلُّ، والذي في الأصولِ (يقولُ) بالإفرادِ مُرَاعاةً للفظِهَا دونَ معنَاهَا، لكنْ قد رَوَى الإمامُ أحمدُ, عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ هذا الحديثَ بِهَذا اللَّفْظِ الَّذي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ أطولَ مَنْهُ.

وفي (( سُنَنِ النَّسَائِيِّ ) )و (( الحاكِمِ ) )و (( شَرْحِ السُّنَّةِ ) )بعدَ قولِهِ: كلُّ عِبَادِكَ يقولُونَ هذا (( إنَّما أُرِيدُ أَنْ تَخُصَّنِي بهِ ) )أي: بذلك الشَّيءِ مِن بينِ عُمُومِ عِبَادِكَ؛ فإنَّ مِن طَبْعِ الإنسانِ أن لا يَفْرَحَ فَرَحًا شديدًا إلا بشيءٍ يَخْتَصُّ بهِ دونَ غيرِهِ، كمَا إذا كانَتْ عندَهُ جَوْهَرةٌ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عندَ غيرِه. مع أنَّ من رَحْمَةِ اللهِ وسنَّتِهِ المُطَّرِدَةِ أنَّ ما اشْتَدَّتْ إليهِ الحاجَةُ والضَّرُورَةُ، كانَ أكثرَ وُجُودًا، كالبُرِّ والمِلْحِ، والماءِ ونحوِ ذلِكَ دونَ الياقوتِ واللُّؤْلُؤِ، ولَمَّا كانَ بالنَّاسِ بل بالعالَمِ كُلِّه من الضَّرُورَةِ إلى لا إلهَ إلَّا اللهُ ما لا نِهَايَةَ في الضَّرُورَةِ فوقَهُ كانَت أكثرَ الأذْكَارِ وُجُودًا، وأَيْسَرَهَا حُصُولًا، وأعْظَمَهَا معنًى. والعوامُّ والجُهَّالُ يَعْدِلُونَ عنها إلى الأسماءِ الغريبَةِ والدَّعَوَاتِ المُبْتَدَعَةِ التي لا أَصْلَ لها في الكِتابِ والسُّنَّةِ كالأحزابِ والأوْرَادِ التي ابْتَدَعَهَا جَهَلَةُ المُتَصَوِّفَةِ.

قولُهُ: (وعَامِرَهُنَّ غيْرِي) هو بالنَّصبِ، عَطْفٌ عَلَى السَّمَاواتِ، أي: لو أنَّ السَّمَاواتِ السَّبْعَ ومَن فيهِنَّ من العُمَّارِ غيرِ اللهِ والأرَضِينَ السَّبْعَ ومَن فيهِنَّ وُضِعُوا في كِفَّةِ المِيزانِ، ولا إلهَ إلا اللهُ في الكِفَّةِ الأُخْرَى، مالَتْ بهِنَّ لا إلهَ إلا اللهُ.

ورَوَى الإمامُ أحمدُ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ نُوحًا عليهِ السَّلامُ قالَ لابنِهِ عندَ موتِهِ: (( آمُرُكَ بـ: (( لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَاواتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتِ فِي كِفَّةٍ، وَلاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بهِنَّ لاَ إِلهَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت