فهرس الكتاب
إِلَّا اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاواتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ كُنَّ في حَلْقَةٍ مُبهَمَةٍ قَصَمَتْهُنَّ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ )) وفيه دليلٌ عَلَى أنَّ اللهَ تعالى فَوْقَ السَّمَاواتِ.
قولُهُ: (في كِفَّةٍ) بكسرِ الكافِ وتشديدِ الفاءِ من كِفَّةِ الميزانِ، قالَ بعضُهُم: ويُطْلَقُ لكلِّ مُسْتَدِيرٍ.
قولُهُ: (مالَتْ بِهِنَّ لا إلهَ إلا اللهُ) ، أي: رَجَحَتْ عليهِنَّ؛ وذلك لِما اشْتَمَلَتْ عليهِ من تَوْحِيدِ اللهِ الَّذي هو أفْضَلُ الأعْمَالِ، وأساسُ المِلَّةِ، ورأسُ الدِّينِ، فمَن قالَها بإخلاصٍ ويقينٍ، وعَمِلَ بمُقْتَضَاهَا ولوازِمِهَا، واسْتَقَامَ عَلَى ذلك، فهو من الَّذينَ لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ، كمَا قالَ تعالى: {إِنَّ الَّذينَ قالُوا ربُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فُصِّلَت: 30 - 31 - 32] .
والحديثُ يَدُلُّ عَلَى أنَّ (( لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ ) )أفضلُ الذِّكْرِ، كمَا في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو مرفوعًا: (( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, لَهُ المُلْكُ وَلهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )رَوَاهُ أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ. وعنه أيضًا مَرْفُوعًا: (( يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُنْشَرُ له تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يُقالُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيُقالُ: أَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ، فَيَهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لاَ، فَيُقالُ: بَلَى, إِنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَاتٍ، وَإنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ، فَيُخْرَجُ له بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَيُقالُ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَت السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ ) )رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ وقالَ: صحيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقالَ الذَّهَبِيُّ في (( تلخِيصِهِ ) ): صَحِيحٌ.
قالَ ابنُ القيِّمِ: فالأعمالُ لا تَتَفَاضَلُ بصُوَرِهَا وعَدَدِهَا، وإنَّما تتفاضَلُ بتفاضُلِ ما في القُلُوبِ، فتكونُ صُورَةُ العَمَلِ واحِدَةً، وبينَهُمَا من التَّفَاضُلِ كمَا بينَ السَّماءِ والأرضِ، قالَ: تأمَّلْ حديثَ البِطَاقَةِ الَّتي تُوضَعُ في كِفَّةٍ، ويُقَابِلُها تِسْعةٌ وتسعونَ سِجِلًّا، كلُّ سِجِلٍّ منها مَدَّ البَصَرِ، فتَثْقُلُ البِطَاقَةُ، وتَطِيشُ السِّجِلَّاتُ، فلا يُعَذَّبُ، ومَعْلُومٌ أنَّ كلَّ مُوَحِّدٍ له هذه البِطَاقَةُ، وكثيرٌ منهم يَدْخُلُ النَّارَ بذُنُوبهِ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: (( مَا قالَ عَبْدٌ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصًا قَطُّ إِلَّا فُتِحَتْ له أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى تُفْضِيَ إِلى العَرْشِ مَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ ) )رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ النَّسَائِيُّ، والحاكِمُ وقالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
قولُهُ: (رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ، والحاكِمُ) ، ابنُ حِبَّانَ اسْمُهُ محمَّدُ بنُ حِبَّانَ - بكَسْرِ المُهْمَلَةِ وتشديدِ المُوَحَّدَةِ - ابنِ أحْمَدَ بنِ حِبَّانَ أبو حاتِمٍ التَّمِيمِيُّ البُسْتيُّ الحافِظُ صاحِبُ التَّصَانِيفِ كـ (( الصَّحيحِ ) )و (( التَّاريخِ ) )و (( الضُّعَفَاءِ ) )و (( الثِّقَاتِ ) )وغيرِ ذلك, قالَ الحاكِمُ: كانَ مِن أَوْعِيَةِ العِلْمِ في الفِقْهِ واللُّغَةِ والحديثِ والوَعْظِ ومِن عُقَلَاءِ الرِّجَالِ، ماتَ سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِينَ وثلاثِمِائةٍ بمدينةِ بُسْتَ, بالمهملةِ.
وأمَّا الحاكِمُ، فاسمُهُ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمَّدٍ الضَّبِّيُّ النَّيْسَابُورِيُّ أبو عَبْدِ اللهِ الحافِظُ، ويُعْرَفُ بابنِ البَيِّعِ. وُلِدَ سَنَةَ إحدَى وعشرينَ وثلاثِمِائَةٍ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ كـ (( المُسْتَدْرَكِ ) )و (( تاريخِ نَيْسَابُورَ ) )وغيرِهِما، ماتَ سنةَ خمسٍ وأربعِمِائَةٍ.
(6) التِّرْمِذِيُّ اسْمُهُ محمَّدُ بنُ عِيسَى بنِ سَوْرَةَ - بفتحِ المهملةِ- ابنِ مُوسَى بنِ الضَّحَّاكِ السُّلَمِيُّ أبو عِيسَى صَاحِبُ (( الجامِعِ ) )وأحدُ الأئِمَّةِ الحُفَّاظِ، كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ. رَوَى عن قُتَيْبَةَ وهَنَّادٍ والبُخَارِيِّ وخَلْقٍ، ومَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وسَبْعِينَ ومائَتَيْنِ.