فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 399

وأنسٌ هو ابنُ مالِكِ بنِ النَّضْرِ الأنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، خادِمُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، ودَعَا له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: (( اللهمَّ أَكْثِرْ مَالَه وَوَلَدَهُ وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ ) )وماتَ سنةَ اثْنَتَيْنِ وقِيلَ: ثلاثٍ وتِسْعِينَ. وقَدْ جَاوَزَ المِائَةَ.

والحديثُ قِطْعَةٌ مِن حديثٍ رواهُ التِّرْمِذِيُّ مِن طريقِ كَثِيرِ بنِ فَائِدٍ: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عُبَيْدٍ، سَمِعْتُ بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزَنِيَّ يقولُ: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( قالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ, إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوتَنِي إِلَّا غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كانَ مِنْكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرابِ الأَرْضِ .. ) )الحديثَ. قالَ ابنُ رَجَبٍ: وإسنادُهُ لا بأسَ بهِ. وسعيدُ بنُ عُبَيْدٍ: هو الهُنائِيُّ, ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في (( الثَّقَاتِ ) )وقالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بهِ كَثِيرُ بنُ فائِدٍ عن سَعِيدِ بنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا. قالَ ابنُ رَجَبٍ: وتابَعَهُ عَلَى رَفْعِهِ أبو سعيدٍ مَوْلَى بني هاشِمٍ، فرَوَاهُ عن سعيدِ بنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا، وقدْ رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ مِن حديثِ أبي ذَرٍّ بمعناهُ، وأخرجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ورَوَى مُسْلِمٌ من حديثِ أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَقُولُ اللهُ: مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ... ) )الحديثَ , وفيه: (( وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً، لاَ يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِقُرابِها مَغْفِرَةً ) ).

قولُهُ: (لو أتَيْتَنِيِ بقُرَابِ الأرْضِ) . قُرابُ الأرضِ، بضمِّ القافِ، وقيلَ: بكسرِهَا، والضَّمُّ أَشْهَرُ، وهو مَلْؤُهَا أو ما يُقَارِبُ مَلأَهَا.

قولُهُ: (ثُمَّ لقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بي شَيْئًا) . شَرْطٌ ثَقِيلٌ في الوَعْدِ بحُصُولِ المَغْفِرَةِ، وهو السَّلامةُ من الشِّرْكِ؛ كثيرِهِ وقليلِهِ، صغيرِهِ وكبيرِهِ، ولا يَسْلَمُ من ذلك إلا مَن سَلَّمهُ اللهُ، وذلك هو القَلْبُ السَّلِيمُ. كمَا قالَ تعالَى: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشُّعَرَاء: 88 - 89] .

قالَ ابنُ رَجَبٍ: مَن جَاءَ معَ التَّوحيدِ بقُرَابِ الأرْضِ خَطَايا لَقِيَهُ اللهُ بقُرَابِها مَغْفِرَةً، لكنَّ هذا مع مَشِيئَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فإنْ شاءَ غَفَرَ له، وإن شاءَ أخذَهُ بذُنُوبهِ، ثُمَّ كانَ عاقِبَتُهُ أن لا يُخَلَّدَ في النَّارِ، بل يَخْرُجُ منها ثُمَّ يَدْخُلُ الجنَّةَ، فإن كَمُلَ توحيدُ العَبْدِ وإِخْلاصُهُ للهِ تعالى فيه، وقامَ بشروطِهِ بقَلْبِهِ ولسانِهِ وجوارِحِهِ، أو بقلبِهِ ولسانِهِ عندَ الموتِ أوْجَبَ ذلِكَ مَغْفِرَةَ ما سلَفَ مِن الذُّنُوبِ كلِّها ومَنْعَهُ من دُخُولِ النَّارِ بالكُلِّيَّةِ، فمَنْ تَحقَّقَ بكلِمَةِ التَّوحيدِ قلبُهُ، أَخْرَجَتْ منه كلَّ ما سِوَى اللهِ محبَّةً وتعظيمًا وإجلالًا ومَهابةً وخَشْيَةً وتَوَكُّلًا، وحينَئِذٍ تُحْرَقُ ذُنُوبُهُ وخطاياهُ كلُّها ولو كانَتْ مثلَ زَبَدِ البحرِ، وربَّما قَلَبَتْهَا حسناتٍ، فإنَّ هذا التَّوحيدَ هو الإكسيرُ الأعْظَمُ، فلو وُضِعَ منه ذرَّةٌ عَلَى جِبَالِ الذُّنُوبِ والخطايا لقَلَبَها حسناتٍ.

وقالَ شيخُ الإسلامِ: الشِّركُ نوعان: أكبرُ، وأصغرُ، فمن خَلَصَ منهما وَجَبَتْ له الجنَّةُ، ومَن ماتَ عَلَى الأكبرِ، وجبَتْ له النَّارُ، ومَن خَلَصَ من الأكبرِ، وحَصَلَ له بعضُ الأصْغَرِ مع حسناتٍ راجِحَةٍ عَلَى ذُنُوبِهِ، دَخَلَ الجنَّةَ، فإنَّ تلكَ الحسناتِ توحيدٌ كثيرٌ مع يسيرٍ من الشِّركِ الأصْغَرِ، ومَن خَلَصَ من الأكبرِ، ولكنْ كَثُرَ الأصغرُ حَتَّى رَجَحَتْ بهِ سَيِّئاتُهُ دَخَلَ النَّارَ، فالشِّركُ يُؤَاخَذُ بهِ العَبْدُ إذا كانَ أكبرَ أو كانَ كثيرًا أصْغَرَ، والأصغرُ القليلُ في جانِبِ الإخلاصِ الكثيرِ لا يُؤَاخَذُ بهِ.

وفي هذه الأحاديثِ كثرةُ ثوابِ التَّوحيدِ، وسَعَةُ كَرَمِ اللهِ وجُودِهِ ورَحْمَتِهِ، حيثُ وَعَدَ عِبَادَهُ أنَّ العبدَ لو أتاه بملءِ الأرضِ خطايا, وقَدْ مَاتَ عَلَى التَّوحيدِ فإنَّهُ يُقَابِلُه بالمَغْفِرَةِ الواسِعَةِ الَّتي تَسَعُ ذُنُوبَهُ، والرَّدُّ عَلَى الخوارِجِ الَّذينَ يُكَفِّرونَ المُسْلِمَ بالذُّنُوبِ، وعلى المُعْتَزِلَةِ الَّذينَ يقولونَ بالمَنْزِلَةِ بينَ المَنْزلتينِ وهي مَنْزِلَةُ الفاسِقِ، فيقولُونَ: ليسَ بمؤمنٍ ولا كافِرٍ ويُخَلَّدُ في النَّارِ، والصَّوابُ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت