فهرس الكتاب
ويَمْتَنِعُ عَقْلًا وشَرْعًا وفِطْرَةً أنْ يَكُونَ لغَيْرِهِ، فمَنْ فَعَلَ شيئًا مِنْ ذلكَ لِغَيْرِهِ فقدْ شَبَّهَ ذلكَ الغَيْرَ بِمَنْ لَا شَبِيهَ لهُ، وَلَا مِثْلَ لهُ، وَلَا نِدَّ لهُ، وذلكَ أَقْبَحُ التَّشْبِيهِ وأَبْطَلُهُ. فَلِهَذِهِ الْأُمُورِ وغَيْرِهَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ مَعَ أنَّهُ كَتَبَ عَلَى نفسِهِ الرَّحمةَ، هذا مَعْنَى كَلَامِ ابنِ القيَّمِ.
وفي الآيَةِ ردٌّ عَلَى الخَوَارجِ المُكَفِّرِينَ بالذُّنُوبِ، وعَلَى المُعْتَزِلَةِ القَائِلِينَ بأنَّ أَصْحَابَ الكَبَائِرِ يَدْخُلُونَ النَّارَ وَلَا بُدَّ، ولا يَخْرُجُونَ منها، وَهُمْ أَصْحَابُ المَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ. ووجْهُ ذلكَ أنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَ مَغْفِرَةَ ما دونَ الشِّركِ مُعَلَّقَةً بالمَشِيئَةِ، ولا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ هَذَا عَلَى التَّأكِيدِ؛ فإنَّ التَّائِبَ لا فرْقَ في حَقِّهِ بينَ الشِّركِ وغيرِهِ، كمَا قالَ تَعَالَى في الآيَةِ الْأُخْرَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] . فهنا عَمَّمَ وأَطْلَقَ؛ لَأَنَّ المُرَادَ بِهِ التَّائِبُ، وهناكَ خَصَّ وعَلَّقَ؛ لِأَنَّ المُرَادَ بِهِ مَا لَمْ يَتُبْ، قالَهُ شَيْخُ الْإِسَلَامِ.
(3) الصَّنَمُ: مَا كَانَ مَنْحُوتًا عَلَى صُورَةِ البَشَرِ. والوَثَنُ: مَا كَانَ مَنْحُوتًا عَلَى غَيْرِ ذلِكَ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ عنْ مُجَاهِدٍ. والظَّاهِرُ أَنَّ الصَّنَمَ مَا كَانَ مُصَوَّرًا عَلَى أيَّةِ صُورَةٍ، والوَثَنُ بِخِلَافِهِ كالحَجَرِ والبِنْيَةِ، وإِنْ كَانَ الوَثَنُ قدْ يُطْلَقُ عَلَى الصَّنَمِ. ذَكَرَ مَعْنَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، ويُرْوَى عنْ بَعْضِ السَّلَفِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقولُهُ: {واجْنُبْنِي} ؛ أي: اجْعَلْنِي وبَنِيَّ في جَانِبٍ عنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وبَاعِدْ بَيْنِي وبِيْنَها. قِيلَ: وأَرَادَ بذلكَ بَنِيهِ وبَنَاتِهِ مِنْ صُلْبِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ البناتِ لدُخُولِهِم تَبَعًا في البَنِينَ. وَقَد اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَجَعَلَ بَنِيهِ أَنْبِيَاءَ، وَجَنَّبَهُم عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ. وإنَّما دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بذلِكَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ افْتَتَنُوا بهَا، كَمَا قَالَ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36] ، فَخَافَ مِنْ ذَلِكَ ودَعَا اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ وبَنِيهِ مِنْ عِبَادَتِها. فَإِذَا كَانَ إِبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجِنِّبَهُ ويُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ؟ كمَا قالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: وَمَنْ يَأْمَنُ مِن البَلَاءِ بعدَ إِبْرَاهِيمَ؟! رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ، وابنُ أَبِي حَاتِمٍ. وهَذَا يُوجِبُ للقَلْبِ الحَيِّ أَنْ يَخَافَ مِن الشِّرْكِ، لَا كَمَا يَقُولُ الجُهَّالُ: إنَّ الشِّرْكَ لَا يَقَعُ في هذهِ الْأُمَّةِ، وَلِهَذَا أَمِنُوا الشِّرْكَ فَوقَعُوا فيهِ، وهذا وجْهُ مُنَاسَبَةِ الآيَةِ للتَّرْجَمَةِ.
(4) هَكَذَا أَوْرَدَ المُصَنِّفُ هَذَا الحَدِيثَ مُخْتَصَرًا غَيْرَ مُعَرَّفٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، والطَّبَرَانِيُّ، وابنُ أَبِي الدُّنيا، والبَيْهَقِيُّ في"الزُّهْدِ". وهذا لفظُ أحمدَ قالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، ثَنَا لَيْثٌ، عنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابنَ الهَادِ، عنْ عمرٍو، عنْ مَحْمُودِ بنِ لَبِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ) )، قالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا؛ فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً ) ). قَالَ المُنْذِريُّ: ومحمودُ بنُ لبيدٍ رَأَى النَّبِيَّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَلَمْ يَصِحَّ لهُ منهُ سَمَاعٌ فيما أَرَى. وذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ البُخَارِيَّ قَالَ: لهُ صُحْبَةٌ، قالَ: وقالَ أَبِي: لَا تُعرَفُ لهُ صُحْبَةٌ. ورَجَّحَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ والحافظُ أنَّ لهُ صُحْبَةً وقالَ: جُلُّ رِوَايتِهِ عن الصَّحَابةِ. وقدْ رواهُ الطَّبَرَانِيُّ بإسْنَادٍ جَيِّدٍ عنْ