فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 399

محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعِ بنِ خَدِيجٍ، وقيلَ: إنَّ حديثَ محمودٍ هوَ الصَّوابُ دونَ ذكرِ رافعٍ. ماتَ محمودٌ سَنَةَ سِتٍّ وتِسْعِينَ. وقيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، ولهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً.

قولُهُ: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم الشِّرْكُ الأَصْغَرُ) ، هذا مِنْ رَحْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ وشَفَقَتِهِ عليهم، وتَحْذِيرِهِ ممَّا يَخَافُ عليهِمْ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ خَيْرٍ إِلَّا دَلَّهم عليهِ وَأَمَرَ بهِ، ومَا مِنْ شَرٍّ إِلَّا وَأَخْبَرَهُم بهِ وحذَّرَهُم منهُ، كمَا قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما صَحَّ عنهُ: (( مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ) ).

ولَمَّا كانَت النُّفوسُ مَجْبُولةً عَلَى مَحَبَّةِ الرِّيَاسَةِ والمَنْزِلَةِ في قُلُوبِ الخَلْقِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ اللَّهُ، كانَ هذا أَخْوَفَ ما يُخَافُ عَلَى الصَّالِحِينَ؛ لقوَّةِ الدَّاعِي إلى ذلكَ. والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. وهذا بخِلَافِ الدَّاعي إلى الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ؛ فَإِنَّهُ إمَّا مَعْدُومٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنينَ الكَامِلِينَ؛ ولهذا يَكُونُ الْإِلْقاءُ في النَّارِ أَسْهَلَ عندَهُم مِن الكُفْرِ. وإمَّا ضَعِيفٌ، هذا معَ العَافِيَةِ. وأَمَّا مَعَ البَلَاءِ، فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنيَا وفي الآخرةِ، ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشَاءُ. فلذلكَ صَارَ خَوْفُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِن الرِّياءِ أَشَدَّ لِقُوَّةِ الدَّاعِي وكَثْرَتِهِ، دونَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ لِمَا تَقَدَّمَ، مَعَ أنَّهُ أَخْبَرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ في أُمَّتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّهُ يَنْبَغِي للإنسانِ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ إِذَا كَانَ الْأَصْغَرُ مَخُوفًا عَلَى الصَّالِحِينَ مِن الصَّحابَةِ معَ كمَالِ إيمانِهِم. فيَنْبَغِي للإنسانِ أنْ يَخَافَ الْأَكْبَرَ لنُقْصَانِ إيمانِهِ ومَعْرِفَتِهِ باللَّهِ. فَهَذَا وَجْهُ إِيرَادِ المُصَنِّفِ لهُ هنا مَعَ أنَّ التَّرجمةَ تَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ.

قَالَ المُصَنِّفُ: وفيهِ أَنَّ الرِّياءَ مِن الشِّرْكِ، وأنَّهُ مِن الْأَصْغَرِ، وأنَّهُ أَخْوَفُ ما يُخَافُ عَلَى الصَّالِحِينَ. وفيهِ قُرْبُ الجَنَّةِ والنَّارِ. والجَمْعُ بينَ قُرْبِهِمَا في حديثٍ واحدٍ عَلَى عَمَلٍ واحِدٍ مُتَقَارِبٌ في الصُّورَةِ.

(5) قالَ ابنُ القيِّمِ: النِّدُّ: الشِّبْهُ، يُقَالُ: فُلَانٌ نِدُّ فُلَانٍ ونَدِيدُهُ؛ أيْ: مِثْلُهُ وشِبْهُهُ، انتهَى. وهذا كمَا قالَ تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8] ؛ أيْ: مَنْ مَاتَ وهوَ يَدْعُو للهِ نِدًّا؛ أيْ: يَجْعَلُ للَّهِ نِدًّا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى ويَسْتَحِقُّهُ مِن الرُّبُوبِيَّةِ والْإِلَهِيَّةِ، دَخَلَ النَّارَ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هوَ المُسْتَحِقُّ للعِبَادَةِ لذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ المَأْلُوهُ المَعْبُودُ الَّذي تُؤَلِّهُهُ القُلُوبُ وتَرْغَبُ إليهِ، وتَفْزَعُ إليهِ عندَ الشَّدائدِ، وما سِوَاهُ فهوَ مُفْتَقِرٌ إليهِ، مَقْهُورٌ بالعُبُوديَّةِ لهُ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَقْدَارُهُ وأَحْكَامُهُ طَوْعًا وكَرْهًا، فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نِدًّا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} [الزُّخْرُف: 15] وَقَالَ: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 92، 95] ، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] . فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لهُ نَدِيدٌ مِنْ خَلْقِهِ، تَعَالَى عنْ ذلكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنونَ: 92، 93] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت