فهرس الكتاب
عَلَى بني المُصْطَلِقِ وهمْ غَارُّونَ. وتُسْتَحَبُّ دَعْوتُهُم؛ لهذا الحَدِيثِ وما في مَعْنَاهُ، وإنْ كانُوا لمْ تَبْلُغْهُمْ وجبَتْ دَعْوَتُهُمْ.
وقولُهُ: (وأَخْبِرْهُم بما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فيهِم) ؛ أيْ: في الْإِسْلَامِ؛ أيْ: إِذَا أَجَابُوا إلى الإسلامِ فَأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليهِم مِنْ حُقُوقِهِ التي لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، كالصَّلاةِ والزَّكاةِ، وهذا كقولِهِ في حديثِ أبي هريرةَ: (( فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ) ). وقدْ فسَّرَهُ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ لعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمَّا قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ الَّذينَ يَشْهدُونَ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ لهُ عُمَرُ: كيفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ وقدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ) )؟ قالَ أبو بكرٍ: فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المالِ، واللَّهِ لوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقَاتَلْتُهُم عَلَى مَنْعِهَا.
وحَاصِلُهُ أنَّهُم إِذَا أَجَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ الَّذي هوَ التَّوحيدُ فأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عَلَيْهِم بعدَ ذلكَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى في الْإِسْلَامِ مِن الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والصِّيامِ والحَجِّ وغيرِ ذلكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ وحُقُوقِهِ، فإنْ أَجَابُوا إلى ذَلِكَ فَقَدْ أَجَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ حَقًّا، وإِن امْتَنَعُوا عنْ شَيْءٍ منْ ذلكَ فالقِتَالُ باقٍ بحالِهِ إجماعًا. فدَلَّ عَلَى أنَّ النُّطْقَ بكَلِمَتَي الشَّهَادَةِ دَلِيلُ العِصْمَةِ، لَا أنَّهُ عِصْمَةٌ، أوْ يُقالُ: هوَ العِصْمَةُ لكنْ بِشَرْطِ العَمَلِ. يَدُلُّ عَلَى ذلكَ قولُهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] الآيَةَ. ولوْ كانَ النُّطْقُ بالشَّهادتيْنِ عاصِمًا لمْ يكُنْ لِلتَّثَبُّتِ مَعْنًى. يَدُلُّ عَلَى ذلكَ قولُهُ تعالَى: {فَإِنْ تَابُوا} ؛ أيْ: عن الشِّرْكِ وفَعَلُوا التَّوْحيدَ، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] ، فدَلَّ عَلَى أنَّ القِتَالَ يَكُونُ عَلَى هذهِ الْأُمُورِ. وفيهِ أَنَّ للَّهِ تَعَالَى حُقُوقًا في الْإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لم يَكُنْ مُسْلِمًا، كَإِخْلَاصِ العِبَادَةِ لهُ والكُفْرِ بما يُعْبَدُ مِنْ دونِهِ. وفيهِ بَعْثُ الإمامِ الدُّعاةَ إلى اللَّهِ، كمَا كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ يَفْعَلُونَ. وفيهِ تَعْلِيمُ الإمامِ أُمَرَاءَهُ وعُمَّالَهُ ما يَحْتَاجُونَ إليهِ.
قولُهُ: (فواللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) . (أنْ) : هيَ المَصْدَريَّةُ، واللَّامُ قبلَهَا مَفْتُوحَةٌ؛ لأَنَّهَا لامُ القَسَمِ، و (أنْ) ومَدْخُولُهَا مَسْبُوكٌ بمصدرٍ مرفوعٍ عَلَى أنَّهُ مبتدأٌ، خبرُهُ (خيرٌ) . و (حُمْرِ) ، بِضَمِّ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ المِيمِ. و (النَّعَمِ) بِفَتْحِ النُّونِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ أيْ: خَيْرٌ لَكَ مِن الْإِبِلِ الحُمْرِ، وهيَ أَنْفَسُ أَمْوالِ العَرَبِ، يَضْرِبُونَ بها المَثَلَ في نَفَاسَةِ الشَّيْءِ. قيلَ: المُرَادُ: خَيْرٌ مِنْ أنْ تَكُونَ لكَ فتَتَصَدَّقَ بِهَا. وَقِيلَ تَقْتَنِيهَا وتَمْلِكُهَا. قُلْتُ: هذا هوَ الْأَظْهرُ، والأوَّلُ لا دَلِيلَ عليهِ. أيْ أنَّكُم تُحِبُّونَ مَتَاعَ الدُّنيَا، وهذا خيرٌ منهُ. قالَ النَّوويُّ: وتَشْبِيهُ أُمُورِ الآخِرَةِ بأُمُورِ الدُّنيا إنَّما هوَ للتَّقْرِيبِ إلى الْأَفْهَامِ، وإِلَّا فَذَرَّةٌ مِن الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا وأَمْثَالِهَا مَعَهَا. وفيهِ فَضِيلَةُ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وَفَضِيلَةُ مَن اهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ واحِدٌ، وجَوازُ الحَلِفِ عَلَى الفُتْيَا والقَضَاءِ والخَبَرِ، والحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ.