فهرس الكتاب
طَمِعَ بأنْ يكونَ هوَ الَّذي يَفُوزُ بذلكَ الوَعْدِ. وفيهِ سُؤَالُ الْإِمَامِ عنْ رَعِيَّتِهِ، وتَفَقُّدُهُ أَحْوَالَهُم، وسُؤَالُهُ عنهم في مَجَامِعِ الخَيْرِ.
قولُهُ: (فَقِيلَ لَهُ: هوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ) ؛ أيْ: من الرَّمَدِ كمَا في"صَحِيحِ مسلمٍ"عنْ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ فقالَ: (( ادْعُوا لِي عَلِيًّا ) )، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ.
قولُهُ: (قالَ: فأَرْسِلُوا إليهِ) ، بهِمزةِ قَطْعٍ، أَمْرٌ من الْإِرْسَالِ، أَمَرَهُمْ بأنْ يُرْسِلُوا إليهِ فَيَدْعُوَهُ لهُ. ولمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ عنْ أبيهِ قالَ: فَأَرْسَلَنِي إلى عَلِيٍّ، فَجِئْتُ بهِ أَقُودُهُ أَرْمَدَ، فبَصَقَ في عَيْنَيْهِ فبَرَأَ.
قولُهُ: (فبَصَقَ) بفَتْحِ الصَّادِ؛ أيْ: تَفَلَ.
(ودَعَا لهُ فبَرَأَ) ، وهوَ بفتحِ الرَّاءِ والهمزةِ، بِوَزْنِ ضَرَبَ، ويَجُوزُ الكَسْرُ بوَزْنِ عَلِمَ؛ أيْ: عُوفِيَ في الحَالِ عَافِيَةً كَامِلَةً، كَأَنْ لمْ يَكُنْ بهِ وَجَعٌ منْ رَمَدٍ ولا ضَعْفِ بَصَرٍ أَصْلًا. وعندَ الطَّبرانيِّ مِنْ حديثِ عليٍّ:"فما رمِدْتُ ولَا صُدِعْتُ منذُ دَفَعَ إليَّ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ". وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى الشَّهادتيْنِ.
قولُهُ: (فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ) . قالَ المصنِّفُ: فيهِ الإيمانُ بالقَدَرِ لحُصُولِهَا لِمَنْ لمْ يَسْعَ، ومَنْعِهَا عَمَّنْ سَعَى، وفيهِ التَّوكُّلُ عَلَى اللَّهِ، والإقْبَالُ بالقَلْبِ إليهِ، وعَدَمُ الالْتِفَاتِ إلى الْأَسْبَابِ، وأَنَّ فِعْلَها لَا يُنَافِي التَّوكُّلَ.
قولُهُ: (وقالَ: انفُذْ عَلَى رِسْلِكَ) ، أمَّا (انفُذْ) فهوَ بِضَمِّ الفاءِ؛ أي: امْضِ لوَجْهِكَ. ورِسْلِكَ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وسُكُونِ السِّينِ؛ أيْ: عَلَى رِفْقِكَ وَلِينِكَ مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ، يُقَالُ لمَنْ يَعْمَلُ الشَّيْءَ بِرِفْقٍ. وساحَتُهم: فِنَاءُ أَرْضِهِم، وهوَ حَوَالَيْهَا. وفيهِ الْأَدَبُ عندَ القِتَالِ، وتَرْكُ الطَّيْشِ والْأَصْوَاتِ المُزْعِجَةِ التي لَا حَاجَةَ إليها. وفيهِ أَمْرُ الْإِمَامِ عُمَّالَهُ بالرِّفْقِ واللِّينِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ ولا انْتِقَاضِ عَزِيمَةٍ، كمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قولُهُ: (( حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ) ).
قولُهُ: (ثُمَّ ادْعُهُم إِلَى الْإِسْلَامِ) ؛ أي: الَّذي هوَ مَعْنَى شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ومِنْ هذا الوَجْهِ طَابَقَ الحديثُ التَّرْجَمَةَ. وفي حديثِ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ وَقالَ: (( امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ ) ). فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ فَقالَ: (( قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ) ). وفيهِ أنَّ الدَّعْوةَ إلى شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، المُرَادُ بِهَا الدَّعْوَةُ إلى الْإِخْلَاصِ بهَا وتَرْكُ الشِّرْكِ، وإِلَّا فاليَهودُ يَقُولُونَهَا، ولمْ يُفَرِّق النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدَّعْوَةِ إليها بينَهُم وبينَ مَنْ لَا يقولُهَا مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ، فعُلِمَ أَنَّ المُرَادَ منْ هذهِ الكَلِمَةِ هوَ اللَّفْظُ بهَا، واعْتِقَادُ مَعْنَاهَا، والعَمَلُ بهِ، وذلكَ هوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمرانَ: 64] ، وقولِهِ: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36] ، وذلكَ هوَ معنَى قولِهِ: (( ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ) )، الَّذي هوَ الاسْتِسَلَامُ للَّهِ تَعَالَى، والانْقِيَادُ لهُ بفِعْلِ التَّوْحيدِ وتَرْكِ الشِّرْكِ. وفيهِ مَشْرُوعيَّةُ الدَّعوةِ قبلَ القتالِ، لكنْ إنْ كانُوا قدْ بَلَغَتْهُم الدَّعوةُ جازَ قِتَالُهُم ابتداءً؛ لأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أغارَ