فهرس الكتاب
يَدْفَعُهُ لمُقَدَّمِ العَسْكَرِ. وقدْ صرَّحَ جماعةٌ منْ أهلِ اللُّغةِ بتَرَادُفِهما، لكنْ رَوَى أحمدُ والتِّرْمِذيُّ منْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: كانَتْ رايَةُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ، ولِوَاؤُهُ أَبْيَضَ. ومِثْلُهُ عندَ الطَّبَرانيِّ عنْ بُرَيْدَةَ، وعندَ ابنِ عَدِيٍّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، وزَادَ: مَكْتُوبٌ فيهِ: لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رسولُ اللَّهِ. وهوَ ظَاهِرٌ في التَّغَايُرِ، فلَعَلَّ التَّفْرِقَةَ بينَهما عُرْفيَّةٌ.
قولُهُ: (يُحِبُّ اللَّهَ ورسُولَهُ، ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورسُولُهُ) ، فيهِ فضيلةٌ عظيمةٌ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِدَ لهُ بذلكَ، ولكنْ لَيْسَ هذا مِنْ خَصَائِصِهِ. قالَ شيخُ الإسلامِ: ليسَ هذا الوَصْفُ مُخْتَصًّا بعلِيٍّ ولا بالأَئِمَّةِ؛ فإنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُحِبُّ كلَّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ يُحِبُّ اللَّهَ ورسُولَهُ. لكنَّ هذا الحديثَ مِنْ أَحْسَنِ ما يُحْتَجُّ بهِ عَلَى النَّواصِبِ الَّذينَ يَتَبَرَّءُونَ منهُ ولا يَتَوَلَّوْنَهُ، بلْ لقدْ يُكَفِّرونَهُ أوْ يُفَسِّقُونَهُ، كالخَوَارِجِ. لكنَّ هذا الاحْتِجَاجَ لا يَتِمُّ عَلَى قَوْلِ الرَّافِضَةِ الَّذينَ يَجْعَلُونَ النُّصُوصَ الدَّالَّةَ عَلَى فَضَائِلِ الصَّحابةِ كانَتْ قبلَ رِدَّتِهِم؛ فإنَّ الخَوَارِجَ تَقُولُ في عَلِيٍّ مِثْلَ ذلكَ. لكنَّ هذا باطِلٌ؛ فإنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يُطْلِقُ مثلَ هذا المَدْحِ عَلَى مَنْ يُعْلَمُ أنَّهُ يَمُوتُ كافرًا. وفيهِ إثباتُ صِفَةِ المَحَبَّةِ للَّهِ. وفيهِ إِشَارَةٌ إلى أنَّ عَلِيًّا تَامُّ الاتِّباعِ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى أَحَبَّهُ اللَّهُ؛ ولهذا كانَتْ محبَّتُهُ عَلَامَةَ الإيمانِ، وبُغْضُهُ علامةَ النِّفاقِ. ذكَرَهُ الحافظُ بِمَعْنَاهُ.
قولُهُ: (يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ) ، صَرِيحٌ في البِشَارَةِ بحُصُولِ الفَتْحِ عَلَى يَدَيْهِ، فَكَانَ الأمرُ كذلِكَ، ففيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَهَادَةِ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قولُهُ: (فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ ليلتَهُم) ، هوَ بنَصْبِ (لَيْلَتَهُمْ) عَلَى الظَّرفيَّةِ. ويَدُوكُونَ قالَ المصنِّفُ: يخوضُونَ. والمُرَادُ أنَّهُم باتُوا تلكَ الليلةَ في خَوْضٍ واختلافٍ فيمَنْ يَدْفَعُهَا إليهِ. وفيهِ حِرْصُ الصَّحَابَةِ عَلَى الخَيْرِ ومَزِيدُ اهْتِمَامِهِم بهِ، وذلكَ يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ مَرَاتبِهِم في العِلْمِ والإيمانِ.
قولُهُ: (أيُّهُم يُعْطَاهَا) ، فهوَ بِرَفْعِ (أَيُّ) عَلَى البِنَاءِ.
قولُهُ: (فلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهم يَرْجُو أنْ يُعْطَاهَا) . وفي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عندَ مسلمٍ: أنَّ عُمَرَ قالَ: ما أَحْبَبْتُ الإمارةَ إِلَّا يَوْمَئذٍ. فإنْ قُلْتَ: إنْ كانَتْ هذهِ الفَضِيلَةُ لعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ليْسَتْ مِنْ خَصَائِصِهِ؛ فَلِمَاذَا تَمَنَّى بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ لهُ ذلكَ؟ قيلَ: الجَوَابُ كَمَا قالَ شيخُ الإسلامِ: إِنَّ في ذلكَ شَهَادَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَلِيٍّ بإيمانِهِ باطِنًا وظَاهِرًا، وإِثْبَاتًا لمُوَالَاتِهِ للَّهِ ورسُولِهِ، ووجُوبِ مُوَالَاةِ المُؤْمِنينَ لَهُ. وإذا شَهِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمُعَيَّنٍ بِشَهَادَةٍ أوْ دَعَا لهُ بدعاءٍ أَحَبَّ كثيرٌ مِن النَّاسِ أنْ يَكُونَ لهُ مِثْلُ تلكَ الشَّهَادَةِ، ومثلُ ذلكَ الدُّعاءِ، وإنْ كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ ويَدْعُو بهِ لخَلْقٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ تَعْيينُهُ لذلكَ المُعَيَّنِ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ ومَنَاقِبِهِ، وهذا كالشَّهَادَةِ بالجنَّةِ لثَابِتِ بنِ قَيْسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ وغَيْرِهِما، وإنْ كانَ قدْ شَهِدَ بالجنَّةِ لآخَرِينَ، والشَّهَادَةِ بمَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ للَّذي ضُرِبَ في الخَمْرِ. قُلْتُ: وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ أيضًا حِرْصُ الصَّحَابَةِ عَلَى الخَيْرِ.
قولُهُ: (فَقَالَ: أينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ؟) ، قَالَ بَعْضُهُم: كَأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَبْعَدَ غَيْبَتَهُ عنْ حَضْرَتِهِ في مثلِ ذلكَ الموطنِ، لا سِيَّمَا وقدْ قالَ: (( لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ ) )إلى آخرِهِ. وقدْ حَضَرَ النَّاسُ وكلُّهمُ