فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 399

أحدُهُما: أنَّ ذلكَ بحَسَبِ نُزُولِ الفَرَائِضِ، وأوَّلُ ما فَرَضَ اللَّهُ الشَّهادَتَانِ ثُمَّ الصَّلاةُ، فإنَّهُ أَمَرَ بالصَّلاةِ في أوَّلِ أوقاتِ الوَحْيِ؛ ولهذا لَمْ يَذْكُرْ وجوبَ الحَجِّ في عَامَّةِ الأحاديثِ، إنَّما جاءَ في الأحاديثِ المُتَأخِّرَةِ. قُلْتُ: وهذا من الأحاديثِ المُتَأخِّرةِ، ولمْ يَذْكُرْ فيها الجَوَابَ.

الثَّاني: أنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ في كلِّ مَقَامٍ ما يُنَاسِبُهُ، فيَذْكُرُ تارةً الفَرَائِضَ التي يُقاتَلُ عليها كالصَّلَاةِ والزَّكاةِ، ويَذْكُرُ تارةً الصَّلاةَ والصِّيامَ إنْ لمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، ويَذْكُرُ تارةً الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصِّيامَ. فإمَّا أَنْ يَكُونَ قبلَ فَرْضِ الحَجِّ كمَا في حديثِ عبدِ القيسِ ونحوِهِ، وإمَّا أنْ يكونَ المُخَاطَبُ بذلكَ لا حَجَّ عليهِ.

وأمَّا الصَّلاةُ والزَّكاةُ، فلَهُمَا شَأْنٌ ليسَ لسائرِ الفرائضِ؛ ولهذا ذَكَرَ اللَّهُ تعالى في كِتَابِهِ الِقتَالَ عليهما؛ لأنَّهُمَا عِبَادَتَانِ ظاهرتانِ، بخلافِ الصَّومِ فإنَّهُ أمرٌ باطنٌ، وهوَ ما ائْتَمَنَ عليهِ النَّاسَ، فهوَ منْ جِنْسِ الوُضُوءِ والاغْتِسَالِ من الجَنَابَةِ ونحوِ ذلكَ مِمَّا يُؤْتَمَنُ عليهِ العَبْدُ؛ فإنَّ الإنسانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَنْوِيَ الصَّوْمَ وأَنْ يَأْكُلَ سِرًّا، كمَا يُمْكِنُهُ أن يَكْتُمَ حَدَثَهُ وجَنَابَتَهُ، بخلافِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وهوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ في الْإِعْلَامِ الأعمالَ الظَّاهِرَةَ التي يُقَاتَلُ النَّاسُ عليها، ويَصِيرُونَ مسلمينَ بفعلِهَا؛ فلهذا علَّقَ ذلكَ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ دونَ الصِّيامِ، وإنْ كَانَ وَاجِبًا كمَا في آيَتَيْ (بَرَاءَةٌ) ؛ فإنَّ (بَرَاءَةٌ) نَزَلَتْ بعدَ فَرْضِ الصِّيامِ باتِّفَاقِ النَّاسِ. وكذلِكَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ إلى اليمنِ لمْ يَذْكُرْ في حَدِيثِهِ الصِّيامَ؛ لِأنَّهُ تَبَعٌ وهوَ باطِنٌ، ولا ذَكَرَ الحَجَّ؛ لِأَنَّ وجوبَهُ خاصٌّ ليسَ بعامٍّ، وهوَ لا يَجِبُ في العُمْرِ إِلَّا مَرَّةً واحِدَةً. انْتَهَى مُلَخَّصًا بِمَعْنَاهُ.

قولُهُ: (أَخْرَجَاهُ) ؛ أيْ: أَخْرَجَهُ البُخاريُّ ومسلمٌ في"الصَّحيحيْنِ"، وأخرجَهُ أيضًا أحمدُ وأبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ.

(4) قالَ شيخُ الإسلامِ: هذا الحديثُ أَصَحُّ ما رُوِيَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن الفَضَائِلِ، أَخْرَجاهُ في"الصَّحيحَيْنِ"منْ غيرِ وجْهٍ.

قولُهُ: (عنْ سَهْلٍ) ، هوَ سهلُ بنُ سعدِ بنِ مالكِ بنِ خالدٍ الأنصاريُّ الخَزْرَجِيُّ السَّاعديُّ أبو العبَّاسِ، صحابيٌّ شهيرٌ، وأبوهُ صحابيٌّ أيضًا. ماتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وثَمَانِينَ وقدْ جَاوَزَ المِائَةَ.

قولُهُ: (قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ) ؛ أيْ: في غَزْوَةِ خَيْبَرَ. في"الصَّحيحَيْنِ"، واللَّفْظُ لمسلمٍ: عنْ سَلَمَةَ بنِ الْأَكْوَعِ قالَ: كانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ تَخَلَّفَ عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ، وَكانَ رَمِدًا، فَقالَ: أَنَا تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَحِقَ بِالنَّبَيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا كانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَبَاحِهَا قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ - أَوْ لَيَأْخُذَنَّ بِالرَّايَةِ - غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) )، أَوْ قالَ: (( يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ ) ). فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ، فَقالُوا: هَذَا عَلِيٌّ. فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وهذا يُبَيِّنُ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لمْ يَشْهَدْ أوَّلَ خَيْبَرَ، وأنَّهُ عليهِ السَّلامُ قالَ هذهِ المَقَالةَ مَسَاءَ اللَّيْلَةِ التي فَتَحَهَا اللَّهُ في صَبَاحِهَا.

قولُهُ: (لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ) . قالَ الحافظُ في روايَةِ بُرَيْدةَ: (( إِنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) )، والرَّايَةُ بمعنى اللِّوَاءِ، وهوَ العَلَمُ الَّذي يُحْمَلُ في الحَرْبِ، يُعْرَفُ بهِ مَوْضِعُ صَاحِبِ الجَيْشِ، وقدْ يَحْمِلُهُ أَمِيرُ الجَيْشِ، وَقَد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت