فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 399

أَغْنِياءَ؛ لِأَنَّ الفُقَراءَ - واللَّهُ أَعْلَمُ - همْ أَكْثَرُ مَنْ تُدْفَعُ إليهم، أوْ لأنَّ حقَّهُم آكَدُ. وفيهِ أَنَّ الْإِمَامَ هوَ الَّذي يَتَولَّى قَبَضَ الزَّكَاةِ وصَرْفَهَا؛ إمَّا بنَفْسِهِ أوْ نَائِبِهِ، فمَن امْتَنَعَ عنْ أدائِها إليهِ أُخِذَتْ منهُ قَهْرًا. قيلَ: وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ يَكْفِي إِخْرَاجُ الزَّكاةِ في صِنْفٍ واحدٍ كمَا هوَ مَذْهَبُ مالكٍ وأحمدَ. وعَلَى ما تَقَدَّمَ؛ لَا يَكُونُ فيهِ دَلِيلٌ. وفيهِ أنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلى غَنِيٍّ ولَا كَافِرٍ، وأَنَّ الفَقِيرَ لا زَكَاةَ عليهِ، وأنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا لَا يُعْطَى مِن الزَّكاةِ مِنْ حيثُ إنَّهُ جَعَلَ المَأَخُوذَ منهُ غَنِيًّا وقَابَلَهُ بالفَقِيرِ. ومَنْ مَلَكَ النِّصَابَ فالزَّكاةُ مَأْخُوذَةٌ منهُ فهوَ غَنِيٌّ، والغَنِيُّ مانعٌ منْ إِعْطَاءِ الزَّكاةِ إِلَّا مَن اسْتُثْنِيَ، وأنَّ الزَّكاةَ واجِبَةٌ في مَالِ الصَّبِيِّ والمَجْنونِ، كمَا هوَ قولُ الجُمْهورِ لِعُمُومِ قولِهِ: (مِنْ أَغْنِيَائِهِم) .

قولُهُ: (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم) ، هوَ بنَصْبِ (كَرَائِمَ) عَلَى التَّحْذِيرِ، والكَرَائِمُ جَمْعُ كَرِيمَةٍ؛ أيْ: نَفِيسَةٍ. قالَ صَاحِبُ"المَطَالِعِ". وهيَ جَامِعَةُ الكَمَالِ المُمْكِنِ في حقِّها؛ منْ غَزَارَةِ لَبَنٍ، وجَمَالِ صُورَةٍ، أوْ كَثْرَةِ لَحْمٍ وَصُوفٍ. ذَكَرَهُ النَّوويُّ. وفيهِ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى العاملِ أَخْذُ كَرَائِمِ المالِ في الزَّكاةِ، بلْ يَأْخُذُ الوَسَطَ، ويَحْرُمُ عَلَى صاحبِ المالِ إِخْراجُ شَرِّ المالِ، بلْ يُخْرِجُ الوَسَطَ. فإنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بإِخْرَاجِ الكَرِيمَةِ جازَ.

قولُهُ: (واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ) ؛ أي: احْذَرْ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، واجْعَلْ بَيْنَكَ وبينَهَا وِقَايَةً بفِعْلِ العَدْلِ وتَرْكِ الظُّلمِ؛ لِئَلَّا يَدْعُوَ عليكَ المَظْلُومُ. وفيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى المَنْعِ مِنْ جَمِيعِ أَنْواعِ الظُّلْمِ. والنُّكْتَةُ في ذِكْرِهِ عَقِبَ المَنْعِ مِنْ أَخْذِ الكرائمِ إشارةٌ إلى أنَّ أخْذَهَا ظُلْمٌ. ذَكَرَهُ الحافظُ.

قولُهُ: (فإنَّهُ - أي: الشَّأنَ - ليسَ بينَها وبينَ اللَّهِ حِجَابٌ) ؛ أيْ: لا تُحْجَبُ عن اللَّهِ تَعَالَى، بلْ تُرْفَعُ إليهِ فيَقْبَلُهَا وإِنْ كَانَ عَاصِيًا، كَمَا في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عندَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا: (( دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا؛ فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) )، وإسنادُهُ حَسَنٌ. قالَهُ الحافظُ. وقالَ أَبُو بَكْرِ بنُ الْعَرَبِيِّ: هذا وإنْ كانَ مُطْلقًا، فهوَ مُقَيَّدٌ بالحَدِيثِ الآخَرِ أنَّ الدَّاعِيَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لهُ ما طَلَبَ، وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ لهُ أَفْضَلُ منهُ، وإمَّا أنْ يُدْفَعَ عنهُ مِن السُّوءِ مِثْلُهُ. وهذا كمَا قَيَّدَ مُطْلَقَ قولِهِ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] بقولِهِ تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعامُ: 41] .

وفي الحديثِ أيضًا قَبُولُ خَبَرِ الوَاحِدِ العَدْلِ، ووُجُوبُ العَمَلِ بهِ، وأَنَّ الإمامَ يَبْعَثُ العُمَّالَ لجِبَايَةِ الزَّكاةِ، وأنَّهُ يَعِظُ عُمَّالَهُ ووُلَاتَهُ، ويأمُرُهُم بتَقْوَى اللَّهِ، ويُعَلِّمُهُم ما يَحْتَاجُونَ إليهِ، ويَنْهَاهُم عن الظُّلمِ، ويُعَرِّفُهُم قُبْحَ عَاقِبَتِهِ، والتَّنْبِيهُ عَلَى التَّعليمِ بالتَّدْرِيجِ. ذكَرَهُ المصنِّفُ.

واعْلَمْ أنَّهُ لمْ يَذكُرْ في هذا الحديثِ ونحوِهِ الصَّومَ والحَجَّ، معَ أنَّ بَعْثَ مُعَاذٍ كانَ في آخِرِ الْأَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَأُشْكِلَ ذلكَ عَلَى كَثِيرٍ مِن العُلَمَاءِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أَجَابَ بَعْضُ النَّاسِ أنَّ الرُّواةَ اخْتَصَرَ بعضُهُم الحَدِيثَ، ولَيْسَ الْأَمْرُ كذلِكَ، فإنَّ هذا طَعْنٌ في الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّما يَقَعُ في الحَدِيثِ الوَاحِدِ مِثْلَ حديثِ عبدِ القَيْسِ حيثُ ذكَرَ بعضُهُم الصِّيامَ وبعضُهُم لمْ يذكُرْهُ. فأمَّا الحديثانِ المُنْفَصِلانِ، فليسَ الأمرُ فيهما كذلِكَ، ولكنْ عنْ هذا جوابانِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت