فهرس الكتاب
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فبذلكَ يَصِيرُ الكَافِرُ مُسْلِمًا، والعَدُوُّ وليًّا، والمُبَاحُ دَمُهُ ومالُهُ مَعْصُومَ الدَّمِ والمَالِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ فَقَدْ دَخَلَ في الْإِيمَانِ، وإنْ قَالَهُ بِلِسَانِهِ دونَ قَلْبِهِ فهوَ في ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ دونَ باطِنِ الْإِيمَانِ. وفيهِ البَدَاءَةُ في الدَّعْوَةِ والتَّعليمُ بالْأَهَمِّ فالْأَهَمِّ. واسْتَدَلَّ بهِ مَنْ قَالَ مِن العُلَمَاءِ: إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ في صِحَّةِ الْإِسْلَامِ النُّطْقُ بالتَّبَرِّي مِنْ كُلِّ دينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الشَّهَادَتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وفي ذلكَ تَفْصِيلٌ.
وفيهِ: أنَّهُ لَا يُحْكَمُ بإِسْلَامِ الكَافِرِ إِلَّا بالنُّطْقِ بالشَّهَادَتَيْنِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فأَمَّا الشَّهَادَتَانِ إِذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بهِمَا مَعَ القُدْرَةِ فهوَ كَافِرٌ باتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، وهوَ كَافِرٌ باطِنًا وظَاهِرًا عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وأَئِمَّتِهَا وَجَمَاهِيرِ عُلَمَائِها. قُلْتُ: هَذَا واللَّهُ أَعْلَمُ فيمَنْ لَا يُقِرُّ بِهِمَا أوْ بإِحْدَاهُمَا. أَمَّا مَنْ كَفَّرَهُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِهِمَا ففيهِ بَحْثٌ، والظَّاهِرُ أنَّ إِسْلَامَهُ هوَ تَوْبَتُهُ عَمَّا كُفِّرَ بهِ.
وفيهِ أنَّ الْإِنْسانَ قَدْ يَكُونُ قَارِئًا عَالِمًا وهوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أوْ يَعْرِفُهُ ولَا يَعْمَلُ بهِ. نَبَّهَ عَلَيْهِ المُصَنِّفُ.
وقَالَ بَعْضُهُم: هذا الَّذي أَمَرَ بهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا، هوَ الدَّعْوَةُ قَبْلَ الِقَتالِ الَّتي كَانَ يُوصِي بها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَرَاءَهُ. قُلْتُ: فَعَلَى هذا؛ فيهِ اسْتِحْبَابُ الدَّعْوةِ قبلَ القِتَالِ لِمَنْ بلَغَتْهُ الدَّعوةُ، أمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ فَتَجِبُ دَعْوتُهُ.
قولُهُ: (فإنْ هم أَطَاعُوكَ لذلكَ) ؛ أيْ: شَهِدُوا وانْقَادُوا لذلِكَ.
قولُهُ: (فأَعْلِمْهُم أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ) . فيهِ أنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ التَّوحيدِ والْإِقْرَارِ بالرِّسَالَةِ أَعْظَمُ الوَاجِبَاتِ وأَحَبُّهَا، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ الكفَّارَ غيرُ مُخَاطَبِينَ بالفُرُوعِ؛ حَيْثُ دَعَاهُم أوَّلًا إلى التَّوحيدِ فَقَطْ، ثُمَّ دُعُوا إلى العَمَلِ، ورَتَّبَ ذلكَ عَلَيْهَا بالفاءِ. وأيضًا فإنَّ قولَهُ: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ) ، يُفْهَمُ منهُ أنَّهُم لَوْ لَمْ يُطِيعُوا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِم شَيْءٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وهَذَا الاسْتِدَلَالُ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ المُرَادَ: أَعْلِمْهُم بأنَّهُم مُطَالَبُونَ بالصَّلَوَاتِ وغيرِهَا في الدُّنيَا، والمُطَالَبَةُ في الدُّنيَا لا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذلكَ أنْ لَا يَكُونُوا مُخَاطَبِينَ بها، ويُزَادُ في عَذَابِهِم بِسَبَبِهَا في الآخِرَةِ، قالَ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ المُخْتَارَ أنَّ الكفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ المَأْمُورِ بِهَا والمَنْهِيِّ عِنْهَا. هَذَا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ والْأَكْثَرِينَ. قُلْتُ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قولُهُ تعالَى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المُدَّثِّر: 43 - 48] الآياتِ. وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الوِتْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ؛ إذْ لوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ صَلَاةً سَادِسَةً، لَا سِيَّمَا وهذا في آخِرِ الْأَمْرِ.
قولُهُ: (فإنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ) ؛ أيْ: آمَنُوا بأَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَهَا عَلَيْهِمْ، وفَعلُوهَا.
قولُهُ: (فأعْلِمْهُم أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيائِهِم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم) . فيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الزَّكاةَ أَوْجَبُ الأرْكَانِ بعدَ الصَّلاةِ، وأنَّهَا تُؤخَذُ من الأغنياءِ، وتُصْرَفُ إلى الفُقَرَاءِ. وإنَّما خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفُقَرَاءَ بالذِّكْرِ مَعَ أنَّهَا تُدْفَعُ إلى المُجَاهِدِ والعَامِلِ ونحْوِهِمَا وإنْ كانُوا