فهرس الكتاب
الْأَوْثَانِ. وَقَالَ الحَافِظُ: هوَ كَالتَّوْطِئَةِ للوَصِيَّةِ؛ ليَجْمَعَ هِمَّتَهُ عَلَيْهَا. ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى كَلَامِ القُرْطُبِيِّ.
قُلْتُ: وفيهِ أَنَّ مُخَاطَبَةَ العَالِمِ لَيْسَتْ كمُخَاطَبَةِ الجَاهِلِ، والتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي للْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ في دِينِهِ؛ لِئَلَّا يُبْتَلَى بِمَنْ يُورِدُ عَلَيْهِ شُبْهَةً مِنْ عُلَمَاءِ المُشْرِكِينَ، فَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الاحْتِرَازِ مِن الشُّبَهِ، والحِرْصُ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ.
قولُهُ: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُم إِلَيْهِ شَهَادَةُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، يَجُوزُ رَفْعُ (أَوَّلَ) مَعَ نَصْبِ (شَهَادَةُ) ، وبالعَكْسِ.
قولُهُ: (وفي رِوَايَةٍ:(( إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ ) ))، هذهِ الرِّوايَةُ في التَّوحيدِ مِنْ"صَحِيحِ البُخَارِيِّ". وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: (( فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ) )، وفي بعضِهَا: (( وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ) ). وأَكْثَرُ الرِّواياتِ فيها ذِكْرُ الدَّعْوةِ إلى الشَّهَادَتَيْنِ. وَأَشَارَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بإِيرَادِ هذهِ الرِّوايَةِ إلى التَّنْبِيهِ عَلَى مَعْنَى شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ إِذْ مَعْنَاهَا تَوْحِيدُ اللَّهِ بالعِبَادَةِ، وتَرْكُ عِبَادَةِ ما سِوَاهُ. فَلِذَلِكَ جَاءَ الحَدِيثُ مَرَّةً بلَفْظِ (( شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) )، وَمَرَّةً (( إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ ) )، ومرَّةً (( فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ) )، وذلكَ هوَ الكُفْرُ بالطَّاغوتِ، والْإِيمَانُ باللَّهِ الَّذي قَالَ اللَّهُ فيهِ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] .
ومَعْنَى الكُفْرِ بالطَّاغوتِ: هوَ خَلْعُ الأنْدَادِ والآلِهَةِ الَّتي تُدْعَى مِنْ دونِ اللَّهِ مِن القَلْبِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ بها رَأْسًا، وبُغْضُهُ وعَدَاوتُهُ. ومَعْنَى الْإِيمَانِ باللَّهِ: هوَ إِفْرَادُهُ بالعِبَادَةِ التي تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ والانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ، وَهَذَا هوَ الْإِيمَانُ باللَّهِ المُسْتَلْزِمُ للْإِيمَانِ بالرُّسُلِ عَلَيهِم السَّلامُ، المُسْتَلْزِمُ لإخْلَاصِ العِبَادَةِ للَّهِ تَعَالَى. وذلكَ هوَ تَوْحيدُ اللَّهِ تَعَالَى ودِينُهُ الحَقُّ المُسْتَلْزِمُ للعِلْمِ النَّافعِ والعَمَلِ الصَّالِحِ، وهوَ حَقِيقَةُ شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وحَقِيقَةُ المَعْرِفَةِ باللَّهِ، وحَقِيقَةُ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَلِلَّهِ مَا أَفْقَهَ مَنْ رَوَى هذا الحديثَ بهذهِ الْأَلْفَاظِ المُخْتَلِفَةِ لَفْظًا المتَّفِقَةِ مَعْنًى، فَعَرَفُوا أَنَّ المُرَادَ مِنْ شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هوَ الْإِقْرَارُ بِهَا عِلْمًا ونُطْقًا وعَمَلًا، خِلَافًا لِمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الجُهَّالِ أَنَّ المُرَادَ مِنْ هذهِ الكَلِمَةِ هوَ مُجَرَّدُ النُّطْقِ بِهَا، أو الْإِقْرَارُ بوُجُودِ اللَّهِ، أوْ مُلْكُهُ لكُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ؛ فَإِنَّ هَذَا القَدْرَ قدْ عَرَفَهُ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ وأَقَرُّوا بهِ، فَضْلًا عنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَلَوْ كَانَ كذلِكَ لَمْ يَحْتَاجُوا إلى الدَّعْوَةِ إليهِ.
وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ التَّوحيدَ الَّذي هوَ إِخْلَاصُ العِبَادَةِ للَّهِ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لهُ، وتَرْكُ عِبَادَةِ ما سِوَاهُ هوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ؛ فَلِهَذَا كَانَ أوَّلَ مَا دَعَتْ إليهِ الرُّسلُ عليهِم السَّلَامُ كمَا قالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .
وَقَالَ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 26] .
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ عُلِمَ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واتَّفَقَتْ عليهِ الْأُمَّةُ أَنَّ أَصْلَ الْإِسْلَامِ، وأوَّلَ ما يُؤْمَرُ بهِ الخَلْقُ، شَهَادَةُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ