فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 399

يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ [التوبة: 18] . ولِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَعْنَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ هوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى العِبَادِ، فَكَانَ أوَّلَ ما يُبْدَأُ بهِ في الدَّعوِةِ.

(2) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى لرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمِرًا لهُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أنَّ هذهِ سَبِيلُهُ؛ أيْ: طَرِيقَتُهُ وسُنَّتُهُ، وهيَ الدَّعْوَةُ إلى شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ بِهَا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ ويَقِينٍ وبُرْهَانٍ، هوَ وَكُلُّ مَن اتَّبَعَهُ يَدْعُو إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَصِيرَةٍ وبُرْهانٍ عَقْلِيٍّ شَرْعِيٍّ. وقَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ) ، أيْ: وأُنَزِّهُ اللَّهَ وأُجِلُّهُ وأُعَظِّمُهُ مِنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ ونَدِيدٌ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى عنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

قُلْتُ: فَتَبَيَّنَ وَجْهُ المُطَابَقَةِ بَيْنَ الآيَةِ والتَّرْجَمَةِ. قِيلَ: ويَظْهَرُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قولُهُ: {وَمَنِ اتَّبَعَنِي} عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ في {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} ، فهوَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ أتْبَاعَهُ هم الدُّعاةُ إلى اللَّهِ تَعَالَى. وإِنْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فهوَ صَرِيحٌ في أَنَّ أَتْبَاعَهُ هم أَهْلُ البَصِيرَةِ فيما جَاءَ بِهِ دُونَ مَنْ عَدَاهُم. والتَّحْقِيقُ أَنَّ العَطْفَ يَتَضَمَّنُ المَعْنَيَيْنِ، فَأَتْبَاعُهُ همْ أَهْلُ البَصِيرَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ.

وفي الْآيَةِ مَسَائِلُ نَبَّهَ عَلَيْهَا المُصَنِّفُ، منها:

التَّنْبِيهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا وَلَوْ دَعَا إلى الحَقِّ فهوَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ.

ومنها: أَنَّ البَصِيرَةَ مِن الفَرَائِضِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اتِّبَاعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واجِبٌ، وَلَيْسَ أَتْبَاعُهُ حقًّا إِلَّا أَهْلَ البَصِيرَةِ. فَمَنْ لَمْ يَكُنْ منهم فَلَيْسَ مِنْ أَتْبَاعِهِ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ البَصِيرَةَ مِن الفَرَائِضِ. ومنها أنَّ مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ التَّوحِيدِ أنَّهُ تَنْزِيهٌ للَّهِ عزَّ وَجَلَّ عن المَسَبَّةِ. وَمِنْها أَنَّ مِنْ أَقْبَحِ الشِّرْكِ كَوْنَهُ مَسَبَّةً للَّهِ. ومِنْهَا إِبْعَادُ المُسْلِمِ عن المُشْرِكِينَ لَا يَصِيرَ مَعَهُم وَلَوْ لَمْ يُشْرِكْ. وكُلُّ هذهِ الثَّلَاثِ في قَوْلِهِ: {سُبْحَانَ اللَّهِ} الآيَةَ.

(3) قولُهُ: (لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ) . قَالَ الحَافِظُ: كَانَ بَعَثَ معاذًا إِلَى اليَمَنِ سَنَةَ عَشْرٍ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، يَعْنِي البُخَارِيَّ، في أَوَاخِرِ المَغَازِي. وقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ في آخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ تَبُوكَ. رَوَاهُ الوَاقِدِيُّ بإسْنَادِهِ إِلَى كَعْبِ بنِ مالكٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ في"الطَّبَقَاتِ"عنهُ، ثُمَّ حَكَى ابنُ سَعْدٍ أنَّهُ كانَ في رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ عَشْرٍ. وقيلَ: بَعَثَهُ عَامَ الفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ. واتَّفقُوا أنَّهُ لمْ يَزَلْ عَلَى اليَمَنِ إلى أَنْ قَدِمَ في عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إلى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا. واخْتُلِفَ هلْ كَانَ مُعَاذٌ والِيًا أَوْ قَاضِيًا، فَجَزَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ بالثَّانِي، والغَسَّانِيُّ بالْأَوَّلِ.

قُلْتُ: الظَّاهِرُ أنَّهُ كَانَ وَالِيًا قَاضِيًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ كِتَابٍ) . قَالَ القُرْطُبِيُّ: يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ والنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُم كَانُوا في اليَمَنِ أَكْثَرَ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ أوْ أَغْلَبَ. وَإِنَّمَا نَبَّهَه عَلَى هَذَا؛ ليَتَهَيَّأَ لمُنَاظَرَتِهِم، ويُعِدَّ الْأَدِلَّةَ لامْتِحَانِهِم؛ لِأَنَّهُم أَهْلُ عِلْمٍ سَابِقٍ، بِخِلَافِ المُشْرِكِينَ وَعَبَدةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت