فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 399

بِمَا يَعْبد مِنْ دونِ الله، فإنْ شَكّ أوْ تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُم مالُهُ و دَمُهُ، فيا لَهَا مِنْ مَسْألة، ما أَعْظَمَها وأَجلّها؟! ويا لَهُ مِنْ بَيانٍ ما أَوْضَحُهُ، وحُجّةٍ ما أقطعها للمُنازِع؟!

(1) أيْ تفسيرُ هاتيْنِ الكلمتَيْنِ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ اللَّفظَيْنِ، وإلا فالمَعْنَى واحدٌ. ولَمَّا ذَكَرَ المُصَنِّفُ في الأبوابِ السَّابقةِ التَّوحيدَ وفضائلَهُ، والدَّعوةَ إليهِ، والخوفَ مِن ضدِّهِ الَّذي هو الشِّركُ، فكَأَنَّ النُّفوسَ اشْتَاقَتْ إلى معرفةِ هذا الأَمْرِ الَّذي خُلِقَتْ له الخَلِيقَةُ، والَّذي بَلَغَ مِن شَأْنِهِ عندَ اللهِ أنَّ مَن لَقِيَهُ بهِ غَفَرَ لَهُ، وإنْ لَقِيَهُ بمِلْءِ الأَرْضِ خَطايا؛ بيَّنَ رَحِمَهُ اللهُ في هذا البابِ أنَّهُ ليسَ اسمًا لا مَعْنَى له، أو قولًًا لا حقيقةَ له كمَا يَظُنُّهُ الجاهِلُونَ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّ غايَةَ التَّحقيقِ فيه هو النُّطْقُ بكلمةِ الشَّهادةِ مِن غيرِ اعْتِقادِ القلبِ بشَيْءٍ مِن المَعاني، والحاذِقُ منهُم يَظُنُّ أنَّ معنَى الإلَهِ هو الخالِقُ المُتَفَرِّدُ بالمُلْكِ، فَتَكونُ غايةُ معرفتِهِ هو الإقرارَ بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ، وهذا ليسَ هو المرادَ بالتَّوحيدِ، ولا هو أيضًا معنَى (( لا إلهَ إلا اللهُ ) )وإنْ كانَ لا بدَّ منه في التَّوحيدِ، بل التَّوحيدُ اسمٌ لمعنًى عظيمٍ، وقولٌ له معنًى جليلٌ هو أجلُّ مِن جميعِ المَعاني.

وحاصلُهُ هو البراءَةُ مِن عبادِةِ كُلِّ ما سِوَى اللهِ، والإقبالُ بالقلبِ والعبادةِ على اللهِ، وذلك هو معنى الكُفْرِ بالطَّاغوتِ، والإيمانِ باللهِ، وهو معنى (( لا إلهَ إلَّا اللهُ ) )كمَا قالَ تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] وقالَ تعالى حِكايةً عن مُؤْمِنِ يس: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلهةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًًا وَلاَ يُنقِذُونَ * إِنِّي إِذًًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يس: 22 - 24] وقالَ تعالَى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّه الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّه دِينِي} [الزُّمَر: 11 - 14] وقالَ تَعالَى حِكايةً عن مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: {وَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ له دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ} [غافر: 41 - 43] والآياتُ في هذا كثيرةٌ تُبَيِّنُ أنَّ معنَى (( لا إلهَ إلَّا اللهُ ) )هو البَراءةُ مِن عِبادةِ ما سِوى اللهِ مِن الشُّفعاءِ والأَنْدادِ، وإفرادُ اللهِ بالعبادةِ. فهذا هو الهُدَى، ودِينُ الحَقِّ الَّذي أَرْسَلَ اللهُ بهِ رسلَهُ، وأَنْزَلَ بهِ كُتُبَهُ.

أمَّا قولُ الإنسانِ (( لا إلهَ إلَّا اللهُ ) )مِن غيرِ معرفةٍ لِمعناها، ولا عملٍ بِهِ، أو دَعْوَاه أنَّهُ مِن أَهْلِ التَّوحيدِ، وهو لا يَعْرِفُ التَّوحيدَ، بل رُبَّما يُخْلِصُ لغيرِ اللهِ مِن عباداتِهِ مِن الدُّعاءِ والخَوْفِ والذَّبحِ والنَّذْرِ والتَّوبةِ والإنابةِ وغيرِ ذلك مِن أنواعِ العباداتِ، فلا يَكْفِي في التَّوحيدِ، بل لا يَكونُ إلَّا مُشْرِكًًا والحالةُ هذهِ، كمَا هو شأنُ عُبَّادِ القبورِ. ثُمَّ ذَكَرَ المصنِّفُ آياتٍ تَدُلُّ عَلَى هذا، فَقَالَ:

وقولُ اللهِ تَعالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] الآيةَ. قُلْتُ: يُبَيِّنُ معنىَ هذه الآيةِ الَّتي قبلَهَا، وهي قولُهُ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} [الإسراء: 56] الآيةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت