فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 399

قالَ ابنُ كثيرٍ: يَقُولُ تعالى: قلْ للمُشْرِكِينَ: ادْعُوا الَّذِينَ زعمْتُمْ مِن دونِهِ مِن الأَنْدادِ، وارْغَبُوا إليهِمْ، فإنَّهُم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عنكُمْ، أي: بالكُلِّيَّةِ، ولا تَحْوِيلًًا، أي: أن يُحَوِّلُوه إلى غيرِكُمْ، والمعنَى: إنَّ الَّذي يَقْدِرُ عَلَى ذلك هو اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ. قالَ العَوْفِيُّ عن ابنِ عَبَّاسٍ في الآيةِ: كانَ أهلُ الشِّركِ يَقولُونَ: نَعْبُدُ الملائكةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. وهم الَّذينَ يَدْعُونَ؛ يَعْنِي: الملائكةَ وعُزَيْرًا.

وقولُهُ: (أُولَئِكَ الَّذينَ يَدْعُونَ) . الآيةَ. ورَوَى البُخارِيُّ عن ابنِ مَسْعُودٍ في الآيةِ قالَ: نَاسٌ مِن الجِنِّ كانُوا يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا. وفي رِوايةٍ: كانَ ناسٌ مِن الإِنْسِ يَعْبُدُونَ ناسًا مِن الجِنِّ، فَأَسْلَمَ الجِنُّ، وتَمَسَّكَ هؤلاءِ بدِينهِم، وقالَ السُّدِّيُّ عن أَبِي صالحٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ في الآيةِ: قالَ: عِيسَى وأُمَّهُ وعُزَيْرٌ.

وقَالَ مُغِيرةُ بنُ إِبْراهِيمَ: كانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقولُ في هذه الآيةِ: هم عِيسَى وعُزَيْرٌ والشَّمْسُ والقَمَرُ.

وقالَ مُجاهدٌ: عِيسَى وعُزَيْرٌ والمَلائِكةُ، وقولُهُ: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] لا تَتِمُّ العبادةُ إلَّا بالخوفِ والرَّجاءِ.

وفي التَّفسيرِ المَنْسوبِ إلى الطَّبَرِيِّ الحَنَفِيِّ: قلْ للمُشْرِكينَ يَدْعُونَ أَصْنامَهُم دُعاءَ اسْتِغاثَةٍ فلا يَقْدِرُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عنهم، ولا تَحْوِيلًًا إلى غيرِهِم أولئك الَّذينَ يَدْعُونَ، أي: المَلائِكةُ المَعْبُودةُ لهم يَتَبادَرُونَ إلى طَلَبِ القُرْبَةِ إلى اللهِ، فيَرْجُونَ رحمتَهُ، ويَخافُونَ عذابَهُ، إنَّ عذابَ ربِّكَ كانَ مَحْذورًا، أيْ: مِمَّا يَحْذَرُهُ كلُّ عاقلٍ. وعن الضَّحَّاكِ وعَطاءٍٍ، أنَّهُم الملائكةُ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ: أولئك الَّذينَ يَدْعُونَ عِيسَى وأُمَّه وعُزَيْرًا.

قالَ شيخُ الإسلامِ: وهذه الأقوالُ كلُّهَا حقٌّ، فإنَّ الآيةَ تَعُمُّ مَن كانَ مَعْبودُهُ عابدًا للهِ؛ سَواءٌ كانَ مِن الملائكةِ أو مِن الجِنِّ أو مِن البشرِ، والسَّلَفُ في تفسيرِهِم يَذْكُُرُونَ جِنْسَ المُرادِ بالآيةِ عَلَى نوعِ التَّمْثِيلِ، كمَا يقولُ التُّرْجُمانُ لِمَنْ سَألَهُ: ما معنى لفظِ الخبزِ؟ فيُرِيه رَغِيفًًا، فَيَقولُ: هذا. فالإشارةُ إلى نوعِهِ لا إلى عَيْنِهِ، وليسَ مرادُهم بذلك تَخْصِيصَ نوعٍ دونَ نَوْعٍ مَع شُمولِ الآيةِ للنَّوعَيْنِ، فالآيةُ خِطابٌ لِكلِّ مَن دَعَا دونَ اللهِ مَدْعُوًّا. وذلك المَدْعُوُّ يَبْتَغِي إلى اللهِ الوسيلةَ، ويَرْجُو رحمتَهُ ويَخافُ عَذابَهُ. فكلُّ مَنْ دَعَا مَيِّتًا أو غائبًا مِن الأنبياءِ [الصَّالحينَ] [1] سَواءٌ كانَ بلفظِ الاستغاثةِ أو غيرِهَا، فقد تَنَاوَلَتْهُ هذه الآيةُ، كمَا تَتَناوَلُ مَن دَعَا الملائكةَ والجِنَّ، ومعلومٌ أنَّ هؤلاءِ كُلَّهُم يَكونونَ وَسَائِطَ فيما يُقَدِّرُهُ اللهُ بأفعالهِم، ومعَ هذا فقد نَهَى اللهُ عن دُعائِهِم، وبَيَّنَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عن الدَّاعِينَ، ولا تَحْوِيلَهُ، لا يَرْفَعُونَهُ بالكلِّيَّةِ، ولا يُحَوِّلُونَهُ مِن مَوْضِعٍ إلى موضعٍ، كتَغْييرِ صِفتِهِ أو قَدْرِهِ، ولهذا قالَ: {ولا تَحْوِيلًًا} فَذُكِرَ نَكِرةً تَعُمُّ أنواعَ التَّحْوِيلِ، فكُلُّ مَنْ دَعَا مَيِّتًا أو غائبًا مِن الأنبياءِ والصَّالحينَ، أو دَعَا الملائكةَ أو دَعَا الجِنَّ، فقد دَعَا مَن لا يُغِيثُهُ، ولا يَمْلِكُ كَشْفَ الضُّرِّ عنه، ولا تَحْوِيلَهُ، انْتَهَى. وبنحوِ ما تَقَدَّمَ مِن كلامِ هؤلاءِ قالَ جميعُ المُفَسِّرِينَ: فتَبيَّنَ أنَّ مَعْنَى التَّوحيدِ وشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ: هو تَرْكُ ما عليهِ المشركونَ مِن دعوةِ الصَّالحينَ، والاسْتِشْفاعِ بِهِم إلى اللهِ في كَشْفِ الضُّرِّ وتَحويلِهِ، فكيفَ مِمَّنْ أَخْلَصَ لَهُم الدَّعوةَ، وأنَّهُ لا يَكْفِي في

(1) لعلها والصالحين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت