فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 399

التَّوحيدِ دَعْوَاه، والنُّطْقُ بكلمةِ الشَّهادةِ مِن غيرِ مُفارقةٍ لِدينِ المُشركينَ، وأنَّ دُعاءَ الصَّالحينَ لكشفِ الضُّرِّ أو تحويلِهِ هو الشِّركُ الأكبرُ، نَبَّهَ عليهِ المُصَنِّفُ.

قالَ: وقولُهُ: {وَإِذْ قالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزُّخْرُف: 26 - 27] الآيةَ. قالَ ابنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ -تَعالَى- مُخْبِرًا عن عبدِهِ ورسولِهِ وخليلِهِ إمامِ الحُنفاءِ، ووالدِ مَن بُعِثَ بعدَهُ مِن الأنبياءِ، الَّذي تَنْتَسِبُ إليهِ قُرَيْشٌ في نَسَبِهَا ومَذْهبِهَا؛ أنَّهُ تَبَّرَأَ مِن أَبِيه وقومِهِ في عبادتِهِم الأوثانَ فقالَ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 26 - 28] أي: هذه الكلمةَ, وهي عبادةُ اللهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وخَلْعُ ما سِواه مِن الأَوْثانِ، وهي لا إلهَ إلَّا اللهُ، أي: جَعَلَهَا في ذُرِّيَّتِهِ يَقْتَدِي بهِ فيها مَن هَدَاهُ اللهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ. لَعَلَّهُم يَرْجِعُونَ، أي: إليها. قالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحَّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغيرُهُم في قولِهِ: {وَجَعَلَها كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} : يَعْنِي لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا يَزَالُ في ذُرِّيَّتِهِ، مَن يقولُهَا. وقالَ ابنُ زَيْدٍِ: كلمةُ الإسلامِ، وهو يَرْجِعُ إلى ما قالَهُ الجماعةُ.

قُلْتُ: ورَوَى ابنُ جَرِيرٍ عن قَتادَةَ في قولِهِ: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرفُ: 27] قالَ: خَلَقَنِي. وعنْهُ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرفُ: 26 - 27] قالَ: إنَّهُمْ يَقولونَ: إنَّ اللَّهَ رَبُّنَا، {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرفُ:87] فلم يَبْرَأْ مِن رَبِّهِ. رَوَاهُ عبدُ بنُ حُمَيْدٍ. قُلْتُ: يَعْنِي أنَّ قَوْمَ إبراهيمَ يَعْبُدُونَ اللهَ ويَعْبُدُونَ غيرَهُ، فَتَبَرَّأَ مِمَّا يَعْبُدُونَ إلَّا اللهَ، لا كمَا يَظُنُّ الجُهَّالُ أنَّ الكُفَّارَ لا يَعْرِفُونَ اللهَ، ولا يَعْبُدُونَهُ أَصْلًًا. ورَوَى ابنُ جَرِيرٍ وابنُ المُنْذِرِ عن قَتادَةَ: {وَجَعَلهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرفُ: 28] قالَ: الإخلاصُ والتَّوحيدُ، لا يَزَالُ في ذُرِّيَّتِهِ من يُوَحِّدُ اللهَ ويَعْبُدُهُ.

فَتَبَيَّنَ بهِذا أنَّ معنى لا إلهَ إلَّا اللهُ هو البَرَاءَةُ مِمَّا يُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، وإفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وذلك هو التَّوحيدُ لا مُجَرَّدُ الإقرارِ بوجودِ اللهِ ومُلْكِهِ وقُدْرَتِهِ وخَلْقِهِ لكُلِّ شيءٍ، فإنَّ هذا يُقِرُّ بِهِ الكُفَّارُ، وذلك هو معنَى قولِهِ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} فاسْتَثْنَى مِن المَعْبودِينَ رَبَّهُ، وذَكَرَ سبحانَهُ أنَّ هذه البَرَاءةَ وهذه المَوَالاةَ هي شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ. قالَهُ المُصَنِّفُ.

(2) الأَحْبَارُ: هم العُلماءُ. والرُّهْبانُ: هم العُبَّادُ. وهذه الآيةُ قد فَسَّرَهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، وَذَلِكَ أنَّهُ لَمَّا جَاءَ مُسْلِمًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: فَقُلْتُ: إنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ. فَقَالَ: (( إنَّهُمْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلالَ وَحَلَّلُوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُمْ، فَذَاكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ ) )رَوَاهُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ سَعْدٍ، وابنُ أَبِي حاتمٍ، والطَّبَرَانِيُّ، وغيرُهُم مِن طُرُقٍ. وهكذا قالَ جميعُ المُفَسِّرِينَ. قالَ السُّدِّيُّ: اسْتَنْصَحُوا الرِّجالَ، ونَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهورِهِم، ولِهذا قالَ تَعَالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [التوبة: 31] أي: الَّذي إذا حَرَّمَ شيئًًا فهو الحرامُ وما حَلَّلَهُ حَلَّ، وما شَرَعَهُ اتُّبِعَ. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: تعالَى وتَقَدَّسَ عن الشُّرَكاءِ والنُّظَراءِ والأَضْدَادِ والأندادِ، لا إلهَ إلَّا هُوَ، ولا رَبَّ سِواهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت