فهرس الكتاب
ومُرادُ المُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ بإيرادِ الآيةِ هنا أنَّ الطَّاعةَ في تحريمِ الحلالِ، وتحليلِ الحرامِ، مِن العبادةِ المَنْفِيَّةِ مِن غيرِ اللهِ تعالى، ولهذا فُسِّرَت العِبادةُ بالطَّاعةِ، وفُسِّرَ الإلهُ بالمَعْبودِ المُطاعِ، فمَن أَطَاعَ مَخْلوقًًا في ذلك فَقَدْ عَبَدَهُ، إذ مَعْنَى التَّوحيدِ، وشَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ يَقْتَضِي إفرادَ اللهِ بالطَّاعةِ، وإفرادَ الرَّسولِ بالمُتابَعةِ، فإنَّ مَن أَطَاعَ الرَّسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقدْ أَطَاعَ اللهَ، وهذا أَعْظَمُ ما يُبَيِّنُ التَّوحيدَ وشهادةَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، لأنَّها تَقْتَضِي نَفْيَ الشِّركِ في الطَّاعةِ، فما ظَنُّكَ بشِرْكِ العِبادةِ، كالدُّعاءِ والاسْتِغاثةِ والتَّوبةِ وسُؤالِ الشَّفاعةِ وغيرِ ذلك مِن أنواعِ الشِّركِ في العِبادةِ، وسيَأْتِي مَزِيدٌ لهذا إنْ شاءَ اللهُ تعالى في بابِ مَنْ أَطَاعَ العُلَماءَ والأُمَراءَ.
(3) قالَ المُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ- في مَسائلِهِ: ومنها، أيْ: مِن الأمورِ المُبَيِّنةِ لِتفسيرِ التَّوحيدِ، وشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، آيةُ البقرةِ في الكُفَّارِ الَّذينَ قالَ اللهُ فيهم: {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] وذَكَرَ أنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُم كَحُبِّ اللهِ، فدَلَّ عَلَى أنَّهُم يُحِبُّونَ اللهَ حُبًّا عظيمًا، ولم يُدْخِلْهُم في الإسلامِ، فكيفَ بمَن أَحَبَّ النِّدَّ حُبًّا أَكْبَرَ مِن حُبِّ اللهِ؟ فكيف بمَن لم يُحِبَّ إلَّا النِّدَّ وحدَهُ، ولم يُحِبَّ اللهَ؟ قُلْتُ: مُرادُهُ أنَّ معنى التّوحيدِ، وشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، هو إفرادُ اللهِ بأصلِ الحُبِّ الَّذي يَسْتَلْزِمُ إخلاصَ العبادةِ للهِ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وعلى قَدْرِ التَّفاضُلِ في هذا الأصلِ، وما يَنْبَنِي عليهِ مِن الأعمالِ الصَّالحةِ يكونُ تَفاضُلُ الإيمانِ والجَزاءُ عليه في الآخرةِ. فمَنْ أشرَكَ باللهِ -تعالى- في ذلك فهو المشركُ، لهذهِ الآيةِ، أَخْبَرَ تعالَى عن أهلِ هذا الشِّركِ أنَّهُمْ يَقولونَ لآلهتِهِم وهم في الجَحِيمِ: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشُّعَراء: 97،98] ومعلومٌ أنَّهُم ما ساوَوْهُمْ بهِ في الخَلْقِ والرِّزْقِ والمُلْكِ، وإنَّما ساوَوْهُمْ بهِ في المَحَبَّةِ والإلهيَّةِ والتَّعظيمِ والطَّاعةِ. فمَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وهو مُشركٌ باللهِ في هذهِ المَحَبَّةِ، فما قالَهَا حقَّ القولِ وإن نَطَقَ بهَا، إذ هو قَدْ خالَفَهَا بالعملِ، كمَا قالَ المُصَنِّفُ. فكيفَ بمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ حُبًّا أَكْبَرَ مِن حُبِّ اللهِ؟! وسيَأْتِي الكلامُ عَلَى هذه الآيةِ في بابِهَا إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
قالَ المصنِّفُ: وهذا مِن أَعْظَمِ ما يُبِيِّنُ مَعْنى لا إلهَ إلَّا اللهُ، فإنَّهُ لم يَجْعَل التَّلفُّظَ بهِا عاصِمًا للدَّمِ والمالِ، بل ولا معرفةَ معناها معَ التَّلفُّظِ بهَا، بل ولا الإقرارَ بذلك، بل ولا كَوْنَهُ لا يَدْعُو إلَّا اللهَ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، بل لا يَحْرُمُ دمُهُ ومالُهُ حتَّى يُضِيفَ إلى ذلك الكُفْرَ بما يُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، فإنْ شَكَّ أو تَرَدَّدَ لم يَحْرُمْ مالُهُ ودَمُهُ، فيا لَها مِن مَسْألةٍ ما أَجَلَّها، ويا لهُ مِن بَيانٍ ما أَوْضَحَهُ، وحُجَّةٍ ما أَقْطَعَهَا للمُنازِعِ.
(4) قولُهُ في (( الصَّحيحِ ) )أي: (( صحيحِ مُسْلِمٍ ) )عن أَبِي مالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عن أَبِيهِ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ. وأَبُو مالِكٍ اسمُهُ سَعْدُ بنُ طارِقٍ, كُوفِيٌّ ثِقةٌ, ماتَ في حدودِ الأربعينَ ومِائةٍ، وأبوهُ طارِقُ بنُ أَشْيَمَ، بالمُعْجَمةِ والمُثنَّاةِ التَّحْتيَّةِ وَزْنُ أَحْمَرَ، ابنِ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيُّ صَحابيٌّ له أَحادِيثُ. قالَ مُسْلِمٌ: لم يَرْوِ عنه غيرُ ابنِهِ.