فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 399

قولُهُ: (مَنْ قالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ) اعْلَمْ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديثِ عَلَّقَ عِصْمةَ المالِ والدَّمِ بأَمْرَينِ: الأوَّلِ: قولُ لا إلهَ إلَّا اللهُ. الثَّاني: الكُفْرُ بما يُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، فلم يَكْتَفِ باللَّفْظِ المُجَرَّدِ عن المَعْنَى، بل لا بدَّ مِن قولِها والعملِ بِهَا.

قُلْتُ: وقد أَجْمَعَ العُلماءُ عَلَى معنَى ذلك، فلا بدَّ في العِصْمةِ مِن الإِتْيانِ بالتَّوحيدِ، والْتِزامِ أحكامِهِ، وتَرْكِ الشِّرْكِ كمَا قالَ تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 139] والفِتْنةُ هنا: الشِّركُ، فدَلَّ عَلَى أنَّهُ إذا وُجِدَ الشِّركُ، فالقتالُ باقٍ بحالِهِ, كمَا قالَ تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] , وقالَ تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 5] فَأَمَرَ بقِتالِهِم عَلَى فِعلِ التَّوحيدِ، وتَرْكِ الشِّرْكِ، وإقامةِ شَعائرِ الدِّينِ الظَّاهرةِ، فإذا فَعَلُوهَا خُلِّيَ سَبيلُهُم، ومتَى أَبَوْا عن فِعلِهَا أو فِعلِ شيءٍ مِنها، فالقتالُ باقٍ بحالِهِ إجماعًا. ولو قالُوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ. وكذلِكَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ العِصْمةَ بما عَلَّقَهَا اللهُ بهِ في كِتابِهِ كما في هذا الْحَدِيثِ.

وفي (( صَحيحِ مُسْلِمٍ ) )عن أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ويُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ ) ).

وفي (( الصَّحِيحَيْنِ ) )عنه قالَ: (( لَمَّا تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ وكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِن العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كيفَ تُقاتِلُ النَّاسَ، وقدْ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَه وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ) )فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عِقَالًًَا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقاتَلْتُهم عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: فواللهِ ما هو إلَّا أنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلقِتالِ، فعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ )) . لَفْظُ مُسْلِمٍ، فانْظُرْ كَيْفَ فَهِمَ صِدِّيقُ الأمَّةِ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُرِدْ مجرَّدَ اللَّفْظِ بِهَا مِن غيرِ إِلْزامٍ لِمعناها وأَحْكامِهَا، فكانَ ذلك هو الصَّوابَ، واتَّفَقَ عليهِ الصَّحابةُ، ولم يَخْتَلِفْ فيه مِنْهم اثْنانِ إلَّا ما كانَ مِن عُمَرَ حتَّى رَجَعَ إِلَى الحَقِّ. وكانَ فَهْمُ الصِّدِّيقِ هو المُوافِقَ لِنُصوصِ القرآنِ والسُّنَّةِ.

وفي (( الصَّحيحَيْنِ ) )أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ, فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهم إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ) ). فهذا الحَدِيثُ كآيةِ بَرَاءةَ, بَيَّنَ فيه ما يُقاتَلُ عليه النَّاسُ ابْتَداءً، فإذا فَعَلُوهُ، وَجَبَ الكَفُّ عنهُمْ إلَّا بِحَقِّهِ، فإن فَعَلُوا بعدَ ذلِكَ ما يُناقِضُ هذا الإِقْرارَ والدُّخولَ في الإسلامِ، وَجَبَ القتالُ حتَّى يكونَ الدِّينُ كلُّهُ للهِ، بل وأَقَرُّوا بالأركانِ الخَمْسةِ وفَعَلُوهَا، وأَبَوْا عن فعلِ الوُضوءِ للصَّلاةِ ونحوِهِ، أو عن تَحْرِيمِ بَعْضِ مُحَرَّماتِ الإسلامِ كالرِّبا أو الزِّنا أو نحوِ ذلك وَجَبَ قِتالُهُم إجماعًا، ولم تَعْصِمْهُمْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، ولا ما فَعَلُوهُ مِن الأركانِ. وهذا مِن أَعْظَمِ ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت