فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 399

يُبَيِّنُ معنى لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّهُ ليسَ المرادُ منها مجرَّدَ النُّطْقِ، فإذا كانَتْ لا تَعْصِمُ مَن اسْتَباحَ مُحَرَّمًا، أو أَبَى عن فِعْلِ الوُضوءِ مَثَلًًا بل يُقَاتَلُ عَلَى ذلك حتىَّ يَفْعَلَهُ، فكيفَ تَعْصِمُ مَنْ دانَ بالشِّركِ وفَعَلَهُ وأَحَبَّهُ ومَدَحَهُ، وأَثْنَى عَلَى أَهْلِهِ، ووَالَى عليهِ، وعَادَى عليهِ، وأَبْغَضَ التَّوحِيدَ الَّذي هو إخلاصُ العبادةِ للهِ، وتَبَرَّأَ منه، وحارَبَ أهلَهُ، وكَفَّرَهُم، وصَدَّ عن سبيلِ اللهِ كمَا هو شأنُ عُبَّادِ القُبورِ، وقدْ أجمعَ العلماءُ عَلَى أنَّ منْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وهو مُشْرِكٌ، أنَّهُ يُقاتَلُ حتَّى يَأْتِيَ بالتَّوحيدِ.

ذِكْرُ التَّنْبيهِ عَلَى كلامِ العُلماءِ في ذلك:

فإنَّ الحاجةَ داعيةٌ إليه لدَفْعِ شُبَهِ عُبَّادِ القبورِ في تَعَلُّقِهِم بهِذه الأحاديثِ وما في معناها مع أنَّهَا حُجَّةٌ عليهم, بحَمْدِ اللهِ, لا لَهُمْ.

قالَ أَبُو سُلَيْمانَ الخَطَّابيُّ في قولِهِ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ): معلومٌ أنَّ المُرادَ بهذا أَهْلُ الأَوْثانِ دونَ أهلِ الكتابِ؛ لأنَّهُم يَقُولُونَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ثُمَّ يُقَاتَلونَ، ولا يُرْفَعُ عنهم السَّيفُ.

وقالَ القاضِي عِياضٌ: اخْتِصاصُ عَصْمِ المالِ والنَّفسِ بمَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، تعبيرٌ عن الإجابةِ إلى الإيمانِ، وأنَّ المرادَ بذلك مُشْرِكُو العربِ، وأهلُ الأوثانِ، ومَن لا يُوَحِّدُ، وهم كانُوا أوَّلَ مَن دُعِيَ إلى الإسلامِ، وقُوتِلَ عليهِ، فأمَّا غيرُهُم ممَّنْ يقرُّ بِالتَّوحيدِ فلا يُكْتَفَى في عِصْمتِهِ بقولِهِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ إذ كانَ يَقولُهَا في كفرِهِ، وهي مِن اعْتِقادِهِ، فلذلِكَ جاءَ في الحديثِ الآخَرِ: (( وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ) ).

وقالَ النَّوَوِيُّ: لا بدَّ معَ هذا مِن الإيمانِ بجميعِ ما جاءَ بهِ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكمَا جاءَ في الرِّوايةِ الأُخْرَى: (( وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بهِ ) )وقالَ شيخُ الإسلامِ لَمَّا سُئِلَ عن قتالِ التَّتارِ مَعَ التَّمسُّكِ بالشَّهادتينِ، لِمَا زَعَمُوا مِن اتِّباعِ أصلِ الإسلامِ، فقالَ: كلُّ طائفةٍ مُمْتَنِعةٍ مِن التزامِ شرائعِ الإسلامِ الظَّاهرةِ المُتَوَاتِرةِ مِِن هؤلاءِ القومِ أو غيرِهِمْ, فإنَّهُ يَجِبُ قِتالهُم حتَّى يَلْتَزِمُوا شرائعَهُ، وإنْ كانُوا مع ذلِكَ ناطِقِين بالشَّهادتينِ مُلْتَزِمِينَ بعضَ شرائعِهِ, كمَا قاتَلَ أبو بَكْرٍ والصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم مانِعِي الزَّكَاةِ، وعلى ذلك اتَّفَقَ الفُقَهاءُ بَعْدَهم، قالَ: فأَيُّمَا طائفةٍ ممتنعةٍ امْتَنَعَتْ عن بعضِ الصَّلواتِ المَفْرُوضاتِ، أو الصِّيامِ أو الحَجِّ، أو عن التزامِ تحريمِ الدِّماءِ أو الأموالِ أو الخَمْرِ أو المَيْسِرِ، أو نِكاحِ ذَوَاتِ المَحارِمِ، أو عن التزامِ جِهادِ الكُفَّارِ، أو ضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَى أهلِ الكتابِ، أو غيرِ ذلك مِن التزامِ وَاجِباتِ الدِّينِ أو مُحَرَّماتِهِ الَّتي لا عُذْرَ لأحدٍ في جُحودِهَا أو تَرْكِهَا، الَّتي يَكْفُرُ الواحدُ بِجُحودِهَا، فإنَّ الطَّائفةَ المُمْتَنِعةَ تُقَاتَلُ عليها وإنْ كانَتْ مُقِرَّةً بِها، وهذا مِمَّا لا أَعْلَمُ فيه خِلافًًا بين العُلماءِ.

قالَ: وهؤلاءِ عندَ المُحَقِّقِينَ مِن العُلماءِ لَيْسوا بمَنْزِلةِ البُغَاةِ، بل هم خارِجونَ عن الإسلامِ بمنزلةِ مانِعِي الزَّكاةِ. ومِثلُ هذا كثيرٌ في كلامِ العلماءِ.

والمقصودُ التَّنبيهُ عَلَى ذلك، ويَكْفِي العاقلَ المُنْصِفَ ما ذَكَرَهُ العلماءُ مِن كلِّ مَذْهبٍ في بابِ حُكْمِ المُرْتَدِّ، فإنَّهُم ذَكَرُوا فيهِ أشياءَ كثيرةً يَكْفُرُ بهِا الإنسانُ، ولو أَتَى بجميعِ الدِّينِ. وهو صَرِيحٌ في كُفْرِ عُبَّادِ القبورِ، ووُجُوبِ قِتالِهِم إنْ لم يَنْتَهُوا حَتَّى يَكونَ الدِّينُ للهِ وحدَهُ، فإذا كانَ مَن التزَمَ شرائعَ الدِّينِ كُلَّها إلَّا تحريمَ المَيْسِرِ أو الرِّبَا أو الزِّنَا يَكونُ كافرًا يَجِبُ قِتالُهُ، فكيفَ بمَنْ أَشْرَكَ باللهِ ودُعِيَ إلى إِخْلاصِ الدِّينِ للهِ, والبراءةِ والكفرِ بمَنْ عَبَدَ غيرَ اللهِ، فَأَبَى عن ذلك، واسْتَكْبَرَ وكانَ مِن الكافِرِينَ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت