فهرس الكتاب
قولُهُ: (وحِسابُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: إلى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، هو الَّذي يَتَوَلَّى حِسابَهُ، فإن كانَ صادقًًا مِن قلبِهِ جازَاهُ بِجَنَّاتِ النَّعيمِ، وإنْ كانَ مُنافِقًًا عذَّبَهُ العذابَ الأليمَ. وأمَّا في الدُّنْيَا، فالحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ، فمَن أَتَى بالتَّوحيدِ والْتَزَمَ شرائِعَهُ ظاهرًا، وَجَبَ الكَفُّ عنهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ منه ما يُخالِفُ ذلك.
واسْتَدَلَّ الشَّافعيَّةُ بالحديثِ عَلَى قَبولِ توبةِ الزِّنْدِيقِ، وهو الَّذي يُظْهِرُ الإسلامَ، ويُسِرُّ الكفرَ. والمشهورُ في مَذْهبِ أحمدَ ومالكٍ أنَّهَا لا تُقْبَلُ؛ لقولِهِ تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} [البقرة: 160] والزِّنديقُ لا يَتَبَيَّنُ رُجوعُهُ؛ لأنَّهُ مُظْهِرٌ للإسلامِ، مُسِرٌّ للكُفْرِ، فإذا أَظْهَرَ التَّوبةَ لم يَزِدْ عَلَى ما كانَ منه قَبْلَهَا. والحديثُ مَحْمولٌ عَلَى المُشْرِكِ. ويَتَفَرَّعُ عَلَى ذلك سُقوطُ القتلِ وعدمُهُ، أمَّا في الآخرةِ, فإنْ كانَ دخلَ في الإسلامِ صادقًًا قُبلَتْ.
وفيه وُجوبُ الكَفِّ عن الكافرِ إذا دَخَلَ في الإسلامِ ولو في حالِ القتالِ حتىَّ يَتَبَيَّنَ منه ما يُخالِفُ ذلِكَ.
وفيه أنَّ الإنسانَ قد يَقُولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولا يَكْفُرُ بما يُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ.
وفيهِ أنَّ شرطَ الإيمانِ الإقرارُ بالشَّهادةِ، والكفرُ بما يُعْبَدُ من دونِ اللهِ مع اعتقادِ ذلك واعتقادِ جميعِ ما جاءَ بهِ الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفيه أنَّ أَحْكَامَ الدُّنيَا عَلَى الظَّاهرِ، وأنَّ مالَ المُسْلِمِ ودَمَهُ حَرَامٌ إلَّا في حَقٍّ كالقَتْلِ قِصاصًا ونحوِهِ، وتَغْرِيمِهِ قيمةَ ما يُتْلِفُهُ.
قولُهُ: وشَرْحُ هذه التَّرجمةِ ما بعدَهَا من الأبوابِ. يَعْنِي أَنَّ ما يَأْتِي بَعْدَ هذهِ التَّرجمةِ من الأبوابِ شرحٌ للتَّوحيدِ، وشهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ؛ لأنَّ مَعْنَى التَّوحيدِ وشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أنْ لا يُعْبَدَ إلَّا اللهُ، ولا يُعْتَقَدَ النَّفْعُ والضَّرُّ إلَّا في اللهِ، وأن يُكْفَرَ بما يُعْبَدُ من دونِ اللهِ، ويُتَبَرَّأَ منها ومن عابديِهَا، وما بعدَ هذا منِ الأبوابِ بَيانٌ لأنْواعٍ من العباداتِ والاعتقاداتِ الَّتي يَجِبُ إخلاصُها للهِ تعالى، وذلك هو معنَى التَّوحيدِ وشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَعْلَمُ.