فهرس الكتاب
وَرَعًا ومُتابَعةً للسُّنَّةِ. رَوَى عن الشَّافِعيِّ ويَزِيدَ بنِ هارُونَ وابنِ مَهْدِيٍّ ويَحْيَى القَطَّانِ وابنِ عُيَيْنَةَ وعَفَّانَ وخَلَفٍ. ورَوَى عنه ابْنَاهُ عبدُ اللهِ وصالِحٌ والبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ وأَبُو داودَ وأَبُو بَكْرٍ الأَثْرَمُ والمَرْوَزِيُّ وخَلْقٌ لا يُحْصَوْنَ، ماتَ سنةَ إحدى وأربعينَ ومائتَيْنِ وله سبعٌ وسبعونَ سنةً.
(4) الحديثُ الأوَّلُ رَوَاهُ أحمدُ كما قالَ المُصَنِّفُ، ورَوَاهُ أَيْضًا أبو يَعْلَى والحاكِمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ، وأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ.
وقولُهُ: (وفي رِوايةٍ) . هذا يُوْهِمُ أنَّ هذا في بعضِ الأحاديثِ المَذْكُورةِ، وليسَ كذلِكَ، بل المُرادُ أنَّهُ في حديثٍ آخَرَ رَوَاهُ أحمدُ أيضًا، فقالَ: حدَّثَنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوَارِثِ، ثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ، ثنا يَزِيدُ بنُ أَبِي مَنْصُورٍ، عن دُخَيْنٍ الحَجَرِيِّ، عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ. فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايَعْتَ تِسْعَةً وَأَمْسَكْتَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ وَقالَ: مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ ) )ورَوَاهُ الحاكِمُ بنحوِهِ، ورُواتُهُ ثِقاتٌ.
وقولُهُ (في هذا الحديثِ) : فَأَدْخَلَ يَدَهُ فقَطَعَها. أي: الرَّجلُ، بَيَّنهُ الحاكمُ في رِوايتِهِ.
قولُهُ: (عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ) هو الجُهَنِيُّ، صَحابيٌّ مَشْهورٌ، وكانَ فَقِيهًا فاضلًا، وَلِيَ إمارةَ مِصرَ لمُعاوِيةَ ثلاثَ سنينَ وماتَ قريبًا مِن السِّتيِّنَ.
قولُهُ: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً) أي: مُتَمَسِّكًا بِهَا عليهِ وعلى غيرِهِ من طِفْلٍ، أو دابَّةٍ، ونحوِ ذلك. قالَ المُنْذِرِيُّ: يُقَالُ: إنَّهَا خَرَزةٌ كانوا يُعَلِّقُونَهَا يَرَوْنَ أنَّهَا تَدْفَعُ عنهمُ الآفاتِ. واعتقادُ هذا الرَّأْيِ جَهْلٌ وضَلالةٌ؛ إذ لا مانِعَ ولا دافِعَ غيرُ اللهِ تعالى. وقالَ أبو السَّعاداتِ: التَّمائِمُ جَمْعُ تَمِيمةٍ، وهي خَرَزاتٌ كانَت العربُ تُعَلِّقُهَا عَلَى أولادِهِم، يَتَّقُونَ بها العَيْنَ في زَعْمِهِم، فأَبْطَلَهُ الإسلامُ. قالَ: كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهَا تمائمُ الدَّواءِ والشِّفاءِ.
قولُهُ: (فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ) دُعاءٌ عليه بأنَّ اللهَ لا يُتِمُّ له أمورَهُ.
قولُهُ: (وَمَنْ تَعَلَّق وَدْعَةً) بفتحِ الواوِ وسكونِ المهملةِ. قالَ في (( مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ ) )شيءٌ يَخْرُجُ مِن البحرِ يُشْبِهُ الصَّدَفَ، يتَّقوُنَ بِهِ العَيْنَ.
قولُهُ: (فَلاَ وَدَعَ اللَّهُ لَهُ) بتَخْفِيفِ الدَّالِ، أي: لا جَعَلهُ في دَعَةٍ وسُكونٍ، وقِيلَ: هو لفظٌ بُنِيَ من الوَدْعَةِ، أي: لا خَفَّفَ اللهُ عنه ما يَخَافُهُ، قالَهُ أبو السَّعاداتِ، وهذا دُعاءٌ عليه، فيه وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ فَعَلَ ذلك، فإنَّهُ مع كَوْنِهِ شِرْكًا، فقدْ دعَا عليهِ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنَقِيضِ مَقْصُودِهِ.
قولُهُ: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ) . قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: إذا اعْتَقَدَ الَّذي عَلَّقَها أنَّهَا تَرُدُّ العينَ، فقد ظَنَّ أنَّهَا تَرُدُّ القَدَرَ، واعْتِقادُ ذلك شِرْكٌ. وقالَ أَبُو السَّعاداتِ: إنَّمَا جَعَلَهَا شِرْكًا؛ لأنَّهُم أَرَادُوا دَفْعَ المَقادِيرِ المَكْتوبةِ عليهم، وطَلَبُوا دَفْعَ الأَذَى مِن غيرِ اللهِ الَّذي هو دافِعُهُ.
(5) هذا الأَثَرُ رَوَاهُ ابنُ أَبِي حاتمٍ كمَا قالَ المصنِّفُ.