فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 399

ذَكَرْنَا، ثُمَّ قالَ: ولقدْ أَعْجَبَنِي ما صنَعَهُ الشَّيخُ أبو إِسْحَاقَ الجَبْنِيَانيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أحدُ الصَّالِحِينَ ببلادِ إِفْرِيقِيَّةَ في المِائَةِ الرَّابِعَةِ، حَكَى عنه صاحِبُهُ الصَّالِحُ أبو عبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ أبي العبَّاسِ المؤدِّبُ أنَّهُ كانَ إلى جانِبِهِ عينٌ تُسَمَّى عينَ العافِيَةِ، كانَ العَامَّةُ قد افْتَتَنُوا بِهَا يأتونَهَا من الآفاقِ، مَنْ تعذَّرَ عليها نِكَاحٌ أو وَلَدٌ قالَت: امضُوا بي إلى العافِيَةِ، فتُعْرَفُ بهِا الفِتْنَةُ، قالَ أبو عبدِ اللهِ: فأنَا في السَّحَرِ ذاتَ ليلةٍ إذْ سَمِعْتُ أذانَ أبي إِسْحَاقَ نَحوَهَا، فخَرَجْتُ فوَجَدْتُهُ قد هَدَمَهَا وأذَّنَ الصُّبحَ عليَها ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنيِّ هَدَمْتُهَا لكَ فلا تَرْفَعْ لها رأسًا. قالَ: فما رُفِعَ لها رأسٌ إلى الآن. قلْتُ: أبو إسحاقَ الَّذي هَدَمَهَا إمامٌ مَشْهورٌ مِن أئمَّةِ المالِكِيَّةِ، زاهِدٌ اسْمُهُ إبراهيمُ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ أَسْلَمَ، وكانَ الإمامُ أبو محمَّدِ بنُ أبي زيدٍ يُعَظِّمُ شَأْنَهُ، ويقولُ: طريقُ أبي إِسْحاقَ خالِيَةٌ لا يَسْلُكُهَا أحَدٌ في الوَقْتِ. وكانَ القَابِسِيُّ يقولُ: الجَبْنِيَانِيُّ إمامٌ يُقْتَدَى بهِ. ماتَ سَنَةَ تِسعٍ وستِّينَ وثلاثِمائةٍ.

وذكرَ ابنُ القَيِّمِ نحوَ ما ذَكَرَهُ أبو شَامَةَ، ثُمَّ قالَ: فما أسْرَعَ أهلَ الشِّرْكِ إلى اتِّخَاذِ الأوثانِ من دونِ اللهِ! ولو كانَتْ ما كانَتْ، ويقولون: إنَّ هذا الحَجَرَ، وهذه الشَّجَرَةَ، وهذه العينَ تَقْبَلُ النَّذْرَ، أي: تَقْبَلُ العِبَادَةَ من دونِ اللهِ؛ فإنَّ النَّذْرَ عبادةٌ وقُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُ بهِا النَّاذِرُ إلى المَنْذُورِ لَهُ. وسيأتي شيءٌ يَتَعَلَّقُ بهِذا البابِ عندَ قولِهِ: (اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ) وفي هذه الجُمْلَةِ مِن الفوائِدِ، أنَّ ما يفعلُهُ من يَعْتَقِدُ في الأَشْجَارِ والقُبُورِ والأحْجَارِ من التَّبَرُّكِ بهِا، والعُكُوفِ عندَها، والذَّبحِ لها، هو الشِّرْكُ، ولا يُغْتَرُّ بالعَوَامِّ والطَّغامِ، ولا يُسْتَبْعَدُ كونُ هذا شِرْكًا، ويَقَعُ في هذه الأُمَّةِ. فإذا كانَ بعضُ الصَّحَابَةِ ظنُّوا ذلك حَسَنًا، وطلبُوهُ من النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بيَّنَ لهم أنَّ ذلك كقولِ بني إسرائيلَ: اجْعَلْ لنا إِلَهًا. فكيفَ بغيرِهِم مَعَ غَلَبَةِ الجَهْلِ وبُعدِ العَهْدِ بآثارِ النُّبُوَّةِ؟

وفيها أنَّ الاعْتِبَارَ في الأحكامِ بالمعاني لا بالأسماءِ، ولهذا جَعَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلِبَتَهُم كطَلِبَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ولم يَلْتَفِتْ إلى كونِهِم سَمَّوْهَا ذاتَ أنْواطٍ، فالمُشْرِكُ وإن سَمَّى شِرْكَهُ ما سَمَّاهُ، كمَنْ يُسَمِّي دعاءَ الأمواتِ، والذَّبحَ لهم والنَّذْرَ ونحوَ ذلك تَعْظِيمًا ومَحَبَّةً، فإنَّ ذلك هو الشِّرْكُ، وإن سَمَّاهُ ما سَمَّاهُ، وقِسْ عَلَى ذلك.

وفيها أنَّ من عُبِدَ فهو إِلَهٌ؛ لأنَّ بَنِي إسرائيلَ والَّذينَ سألوُا النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُرِيدُوا مِن الأصْنَامِ والشَّجَرَةِ الخَلْقَ والرِّزْقَ، وإنَّمَا أرادُوا البَرَكَةَ، والعُكُوفَ عندَهَا، فكانَ ذلك اتِّخَاذًا له معَ اللهِ تعالى، وفيه أنَّ معنَى الإلهِ هو المَعْبُودُ، وأنَّ مَن أَرَادَ أن يَفْعَلَ الشِّرْكَ جَهْلًا فنُهيَ عن ذلك فانتَهَى لا يَكْفُرُ. وأنَّ لا إلهَ إلا اللهُ تَنْفِي هذا الفِعْلَ معَ دِقَّتِهِ وخَفَائِهِ عَلَى أولئك الصَّحَابَةِ. ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، فكيفَ بما هو أَعْظَمُ منه؟ ففيه رَدٌّ عَلَى الجُهَّالِ الَّذين يَظُنُّونَ أنَّ معناهُ الإقرارُ بأنَّ اللهَ خالِقُ كلِّ شيءٍ وأنَّ ما سِوَاهُ مَخْلُوقٌ, ونحوُ ذلك مِن العباراتِ، والإغلاظُ عَلَى من وَقَعَ منه ذلك جَهْلًا.

قولُهُ: (لتَرْكَبُنَّ) بضمِّ المُوَحَدَّةِ، أي: لَتَتَّبِعُنَّ أنتم أيُّهَا الأُمَّةُ سُنَنَ مَن كانَ قبلَكُم، بضمِّ السِّينِ، أي: طُرُقَهُم ومَنَاهِجَهُم وأفْعَالَهُم، ويَجُوزُ فتحُ السِّينِ، وهذا خَبَرٌ صَحِيحٌ وُجِدَ كمَا أخْبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففيهِ دليلٌ عَلَى شَهَادَةِ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ.

وفي الحديثِ من الفَوائِدِ غيرُ ما تَقَدَّمَ: النَّهْيُ عن التَّشَبُّهِ بأهْلِ الجاهِلِيَّةِ مِن أهلِ الكِتابِ والمُشْرِكينَ، وأنَّهُ مُتَقَرِّرٌ عندَهُم أنَّ العِبَاداتِ مَبْنَاها عَلَى الأَمْرِ، فصَارَ فيها التَّنْبِيهُ عَلَى مَسَائِلِ القَبْرِ؛ أمَّا مَن رَبُّكَ؟ فواضِحٌ، وأمَّا مَن نَبِيُّكَ؟ فمِن إخبارِهِ بأنباءِ الغَيْبِ، وأمَّا ما دِينُكَ؟ فمِن قولِهِم: اجْعَلْ لنا إِلَهًا إلى آخِرِهِ، قالهُ المصنِّفُ. وفيه أنَّ الشِّرْكَ لا بُدَّ أن يَقَعَ في هذه الأُمَّةِ كمَا وَقَعَ فيمَنْ قبلَهَا. ففيه رَدٌّ عَلَى مَنْ قالَ: إنَّ الشِّرْكَ لا يَقَعُ في هذه الأُمَّةِ، وفيه سَدُّ الذَّرائِعِ، والغَضَبُ عندَ التَّعْلِيمِ، وأنَّ مَا ذَمَّ اللهُ بهِ اليهودَ والنَّصَارى، فإنَّهُ لنا لِنَحْذَرَهُ، ذَكَرَ ذلك المُصَنِّفُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت