فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 399

قولُهُ: (ونَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بكُفْرٍ) أي: قَرِيبُو عَهْدٍ بكُفْرٍ، ففيه دَلِيلٌ أنَّ غيرَهُم لا يَجْهَلُ هذا، وأنَّ المُنْتَقِلَ مِن الباطِلِ الَّذي اعْتَادَهُ قَلْبُهُ لا يَأْمَنُ أن يَكُونَ في قلبِهِ بَقِيَّةٌ مِن تلكَ العادَاتِ الباطِلَةِ، ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ.

قولُهُ: (يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا) الاعْتِكَافُ: هو الإِقَامَةُ عَلَى الشَّيءِ بالمكانِ، ولُزُومُهَا، ومِنه قولُهُ: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لها عَاكِفُونَ} [الأنْبِياء:52] وكانَوا يَعْكُفُونَ عندَ هذه السِّدْرَةِ تَبَرُّكًا بهِا. وفي حديثِ عمرِو بنِ عوفٍ قالَ: كانَ يُنَاطُ بهِا السِّلاحُ فسُمِّيَتْ ذاتَ أَنْوَاطٍ، وكانَتْ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ، فلَمَّا رَآهَا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَرَفَ عنها في يومٍ صائِفٍ إلى ظِلٍّ هو أَدْنَى مِنها ... الحديثَ. فيُجْمَعُ بينَهُما بأنَّ عِبَادَتَها هي العُكُوفُ عندَها رَجَاءً لِبَرَكَتِهَا.

قولُهُ: (ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم) أي: يُعَلِّقُونَها عليها للْبَرَكَةِ.

قولُهُ: (يُقَالُ لها: ذاتُ أَنْوَاطٍ) قالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: سألُوهُ أن يَجْعَلَ لَهم مِثْلَهَا فنَهَاهُم عن ذلك. وأَنْوَاطٌ جَمْعُ نَوْطٍ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَنُوطُ.

قولُهُ: (فقلْنَا: يا رسولَ اللهِ، اجْعَلْ لنَا ذَاتَ أنْوَاطٍ) أي: شَجَرَةً مِثْلَها نُعَلِّقُ عليها، ونَعْكُفُ حواليْهَا، ظنُّوا أنَّ هذا أَمْرٌ مَحْبُوبٌ عندَ اللهِ فقَصَدُوا التَّقَرُّبَ إلى اللهِ بذلك، وإِلَّا فَهُمْ أَجَلُّ قَدْرًا، وإن كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بكُفْرٍ، عن قَصْدِ مُخَالَفَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قولُهُ: فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اللهُ أكبرُ ) )هكذا في بَعْضِ الرِّواياتِ. وفي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: (( سبحانَ اللهِ ) )والمقصودُ باللفْظَيْنِ واحِدٌ؛ لأنَّ المُرَادَ تَعْظِيمُ اللهِ، وتنزيهُهُ عن الشِّرْكِ، والتَّقَرُّبُ بهِ إليه، وفيه تَكْبِيرُ اللهِ وتَنْزِيهُهُ عندَ التَّعَجُّبِ، أو ذِكْرِ الشِّركِ، خِلافًا لمَنْ كَرِهَهُ.

قولُهُ: إنَّهَا السُّنَنُ، بضَمِّ السِّينِ، أي: الطُّرُقُ.

قولُهُ: (قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كمَا قالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوَسى: اجْعَلْ لَنَا إِلهًا ... ) إلخ. أخْبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ هذا الأَمْرَ الَّذي طلَبُوه منْهُ، وهو اتِّخَاذُ شَجَرَةٍ للعُكُوفِ عندَهَا، وتعليقِ الأَسْلِحَةِ بِها تَبَرُّكًا، كالأمرِ الَّذي طلبَهُ بَنُو إسرائِيلَ مِن موسى عليهِ السَّلامُ حيثُ قالُوا: اجْعَلْ لنَا إِلَهًا كمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فإذا كانَ اتِّخَاذُ شَجَرَةٍ لتعليقِ الأَسْلِحَةِ والعُكُوفِ عندَهَا اتِّخَاذَ إلهٍ معَ اللهِ معَ أنَّهُمْ لا يَعْبُدُونَهَا، ولا يَسْأَلُونَهَا، فما الظَّنُّ بما حَدَثَ مِن عُبَّادِ القُبُورِ مِن دُعَاءِ الأَمْوَاتِ، والاسْتِغَاثَةِ بِهِم، والذَّبْحِ، والنَّذْرِ لهم، والطَّوافِ بقُبُورِهِم، وتَقْبِيلِهَا، وتَقْبِيلِ أَعْتَابِهَا وجُدْرَانِها، والتَّمَسُّحِ بِهَا، والعُكُوفِ عندَهَا، وجَعْلِ السَّدَنَةِ والحُجَّابِ لها؟! وأيُّ نِسْبَةٍ بينَ هذا، وبينَ تَعليقِ الأسْلِحَةِ عَلَى شَجَرَةٍ تَبَرُّكًا؟!

قالَ الإمامُ أبو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ مِن أئِمَّةِ المَالِكِيَّةِ: فانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أيْنَمَا وَجَدْتُمْ سِدْرَةً أو شَجَرَةً يَقْصِدُهَا النَّاسُ، ويُعَظِّمُونَهَا، ويَرْجُونَ البُرْءَ والشِّفاءَ من قِبَلِهَا، ويَضْرِبُونَ بهِا المَسَامِيرَ والخِرَقَ، فهي ذاتُ أَنْوَاطٍ فاقْطَعُوهَا. وقالَ الحافِظُ أبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ إسماعيلَ الشَّافِعيُّ المعروفُ بأبي شَامَةَ في كتابِ (( البِدَعِ والحَوَادِثِ ) ): ومِنْ هذا القِسْمِ أيضًا ما قَدْ عَمَّ الابْتِلَاءُ بِهِ مِن تَزْيينِ الشَّيْطَانِ للعَامَّةِ، تَخْلِيقَ الحِيطَانِ والعُمُدِ، وسَرْجَ مَواضِعَ مَخْصُوصَةٍ في كُلِّ بَلَدٍ يَحْكِي لهم حَاكٍ أنَّهُ رَأَى في مَنَامِهِ بِهَا أحدًا مِمَّنْ شُهِرَ بالصَّلاحِ والوِلايَةِ فيَفْعَلُون ذلك، ويُحَافِظُونَ عليه معَ تَضْيِيعِهِم فَرائِضَ اللهِ تعالَى وسُنَنَهُ، ويَظنُّونَ أنَّهُم مُتَقَرِّبونَ بذلكِ، ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ هذا إلى أن يَعْظُمَ وَقْعُ تلكَ الأماكِنِ في قُلوبِهِم فيُعَظِّمُونَهَا، ويَرْجُونَ الشِّفاءَ لمَرْضَاهُمْ وقضاءَ حوائِجِهم بالنَّذْرِ لهم، وهي من بينِ عُيُونٍ وشَجَرٍ وحائِطٍ وحَجَرٍ، وفي مدينةِ دِمَشْقَ, صانَهَا اللهُ من ذلك، مَوَاضعُ مُتَعَدِّدَةٌ كعونيةِِ الحُمَا خارجَ بابِ تُوما، والعَمُودِ المُخَلَّقِ دَاخِلَ بابِ الصَّغيرِ، والشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ اليابِسَةِ خارِجَ بابِ النَّصْرِ في نَفْسِ قارِعَةِ الطَّريقِ، سَهَّلَ اللهُ قَطْعَهَا واجْتِثَاثَهَا مِن أصلِهَا، فما أشبَهَهَا بذاتِ أَنْوَاطٍ الوارِدَةِ في الحديثِ! ثُمَّ ذَكَرَ الحديثَ المُتَقَدِّمَ، وكلامَ الطَّرْطُوشيِّ الَّذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت