فهرس الكتاب
وقولُهُ: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم} [النَّجْم: 23] قالَ ابنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ قالَ مُنْكِرًا عليهم فيما ابْتَدَعُوهُ، وأحْدَثُوهُ من الكَذِبِ والافْتِرَاءِ والكُفْرِ؛ من عِبَادَةِ الأصْنَامِ، وتَسْمِيَتِهَا آلِهَةً: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم} أي: مِن تِلْقَاءِ أنْفُسِكُمْ {مَّا أَنزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطَانٍ} ، أي: مِن حُجَّةٍ {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} أي: ليْسَ لهم مُسْتَنَدٌ إلا حُسْنَ ظنِّهِم بآبائِهِم الَّذينَ سَلَكُوا هذا المَسْلَكَ الباطِلَ قَبْلَهُم، وإلا حَظَّ أنْفُسِهِم في رياسَتِهِم، وتَعْظِيمِ آبائِهِم الأقْدَمِينَ!
وقولُهُ: {وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن ربِّهِمُ الهُدَى} : قالَ ابنُ كثيرٍ: ولقد أَرْسَلَ إليهم الرُّسُلَ بالحَقِّ المُنِيرِ، والحُجَّةِ القاطِعَةِ، ومعَ هذا ما اتَّبَعُوا ما جَاءُوهم بهِ ولا انْقَادُوا لهُ.
قلتُ: في هذه الآياتِ مِن الدَّلائلِ القَطْعِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِ عِبَادَةِ هذه الطَّواغِيتِ، وأشباهِهَا بما لا مَزِيدَ عليهِ، فسُبْحَانَ مَن جَعَلَ كلامَهُ شِفَاءً وهُدًى ورَحْمَةً، وبُشْرَى للمُسْلِمِين:
منها أنَّهَا أسماءٌ مُؤَنَّثَةٌ دَالَّةٌ عَلَى اللِّينِ والرَّخَاوَةِ، وما كانَ كذلِكَ فليسَ بإِلَهٍ. ومنها أنَّكُم قاسَمْتُم اللهَ بزَعْمِكُمْ فجَعَلتُمْ له هذه الأَسْمَاءَ المُؤَنَّثَةَ شُرَكَاءَ ودَعَوْتُمْ له الأَوْلَادَ، ثُمَّ جَعَلْتُمُوهُمْ بَنَاتًا واخْتَصَصْتُمْ بالذُّكُورِ، فجَعَلْتُمْ له المَكْرُوهَ النَّاقِصَ، ولكم المَحْبُوبَ الكامِلَ {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النَّحْل: 60] ومنها أنَّهَا أسماءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أنتم وآباؤُكُم، ابْتَدَعْتُمُوهَا. ومنها أنَّهَا ما أَنْزَلَ اللهُ بِها من سُلْطَانٍ، أي: حُجَّةٍ وبُرْهَانٍ. ومنها أنَّكُم لم تَسْتَنِدُوا في تَسْمِيَتِهَا إلى عِلْمٍ ويَقِينٍ، وإنَّمَا اسْتَنَدْتُمْ في ذلكَ إلى الظَّنِّ والهوَى اللَّذَيْنِ هُمَا أَصْلا الهَلاكِ دُنْيَا وأُخْرَى. ومِنها: {وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن ربِّهِمُ الهُدَى} [النجم: 23] ، أي: بإِبْطَالِ عِبَادَتِهَا، وما كانَ كذلِكَ، فهو عينُ المُحَالِ البَيِّنُ البُطْلانِ، وكلُّ واحِدٍ من هذه الأدِلَّةِ كافٍ شافٍ في بُطْلانِ عِبَادَتِهَا.
فإن قُلْتَ: فأين دليلُ التَّرْجَمَةِ من الآياتِ؟
قيلَ: هو بَيِّنٌ بِحَمْدِ اللهِ؛ لأنَّهُ إن كانَ التَّبَرُّكُ بالشَّجَرِ والقُبُورِ والأَحْجَارِ مِن الأكْبَرِ فَوَاضِحٌ، وإن كانَ مِن الأَصْغَرِ، فالسَّلَفُ يَسْتَدِلُّونَ بمَا نزَلَ في الأكبرِ عَلَى الأصغرِ.
(3) الحديثُ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ كمَا قالَ المُصَنِّفُ: ولَفْظُهُ: حَدَّثنَا سَعِيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المَخْزُومِيُّ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سِنَانِ بنِ أبي سِنَانٍ، عن أبي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، (( أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا خَرَجَ إِلى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرةٍ للمُشْرِكِينَ يُقالُ لها: ذَاتُ أَنْوَاطٍ. يُعَلِّقُون عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كمَا لهمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللهِ! هَذَا كمَا قالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كمَا لهمْ آلِهَةٌ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) )هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأبو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ اسمُهُ الحارِثُ بنُ عَوْفٍ, وفي البابِ عن أبي سعيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، هذا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ بحُرُوفِهِ. وفيه مُخَالَفَةٌ لِمَا في الكِتَابِ لَفْظًا ومَعْنًى، وقد اتَّفَقَ اللَّفْظَانِ عَلَى المَقْصُودِ هُنَا، وقدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبو دَاودَ وأبو يَعْلَى وابنُ أبي شَيْبَةَ والنَّسَائِيُّ وابنُ جَرِيرٍ وابنُ المُنْذِرِ وابنُ أبي حَاتِمٍ والطَّبَرَانِيُّ بنحوِهِ. ورَوَى ابنُ أبي حاتِمٍ وابنُ مَرْدُويَهْ والطَّبَرَانِيُّ من طَرِيقِ كَثِيرِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ, عن أبيهِ, عن جَدِّهِ نحوَهُ أيضًا.
قولُهُ: (عن أبي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ) اسْمُهُ الحارِثُ بنُ عَوْفٍ، كمَا قالَ التِّرْمِذِيُّ، وقيلَ: الحارِثُ بنُ مالِكٍ. صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ. ماتَ سنَةَ ثَمَانٍ وستِّينَ وله خَمْسٌ وثَمَانونَ سَنَةً.
قولُهُ: (خَرَجْنَا معَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حُنَينٍ) في حديثِ عمرِو بنِ عَوْفٍ، قالَ: غَزَوْنَا معَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ الفَتْحِ ونحنُ ألفٌ ونَيِّفٌ حتَّى إذا كُنَّا بينَ حُنَيْنٍ والطَّائِفِ. ولا مُخَالَفَةَ بينَهما في المَعْنَى؛ فإنَّ غَزْوَةَ الفَتْحِ وحُنَيْنًا كانَتَا في سَفَرٍ واحِدٍ.