فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 399

جَمَاعَةٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ، ولا تَخَالُفَ بينَ القولينِ؛ فإنَّ مَنْ قالَ: إنَّهَا صَخْرَةٌ لم ينفِ أن تكونَ صخرةً عَلَى القبرِ أو حواليهِ فعُظِّمَتْ وعُبِدَتْ تَبَعًا لا قَصْدًا، فالعِبَادةُ إنَّما أرادوا بهِا صاحِبَ القَبْرِ، فهو الَّذي عبدُوهُ بالأصالَةِ؛ يَدُلُّ عَلَى ذلك ما رَوَى الفاكِهِيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ اللَّاتَ لَمَّا ماتَ قالَ لهم عَمْرُو بنُ لُحَيٍّ: إنَّهُ لم يَمُتْ، ولكنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ, فعَبَدُوهَا، وبَنوا عليهَا بَيْتًا، فتأمَّلْ فِعْلَ المُشْرِكِينَ مع هذا الوَثَنِ، ووازِنْ بينَهُ وبينَ بِنَاءِ القِبَابِ عَلَى القُبُورِ، والعُكُوفِ عندَهَا ودُعَائِهَا، وجَعْلِهَا مَلاذًا عندَ الشَّدَائِدِ.

وأمَّا العُزَّى فقالَ ابنُ جريرٍ: كانَتْ شَجَرَةً عليها بِنَاءٌ وأَسْتَارٌ بنَخْلَةَ بينَ مكَّةَ والطَّائفِ كانَتْ قُرَيْشٌ يُعَظِّمونَها، كمَا قالَ أبو سُفْيَانَ يومَ أُحُدٍ: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ. فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ ) ). وَرَوَى النَّسائِيُّ وابنُ مَرْدُويَهْ عن أبي الطُّفَيْلِ قالَ: (( لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، بَعَثَ خَالدَ بنَ الوليدِ إِلى نَخْلَةَ وَكانَتْ بِهَا العُزَّى، فَأَتَاهَا خَالِدٌ وَكانَتْ عَلَى ثَلاثِ سَمُرَاتٍ، فَقَطَعَ السَّمُرَاتَ، وَهَدَّمَ البَيْتَ الَّذِي كانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقالَ: ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا. فَرَجَعَ خَالِدٌ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْهُ السَّدَنَةُ، وَهُمْ حَجَبَتُها، امْتَنَعُوا فِي الجَبَلِ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا عُزَّى يَا عُزَّى. فَأَتَاهَا خَالِدٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَها، تَحْفِنُ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِها، فَعَلاهَا بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَها، ثُمَّ رَجَعَ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقالَ: تِلْكَ العُزَّى ) ).

قالَ ابنُ هِشَامٍ: وكانُوا يَسْمَعُونَ منها الصَّوتَ. وقالَ أبو صَالِحٍ: العُزَّى نَخْلَةٌ كانُوا يُعَلِّقُونَ عليها السُّيورَ والعِهْنَ. رَوَاهُ عبدُ بنُ حُمَيْدٍ وابنُ جَرِيرٍ. فتَأَمَّلْ فِعْلَ المُشْرِكِينَ مع هذا الوَثَنِ، ووَازِنْ بينَهُ وبينَ ما يَفْعَلُهُ عُبَّادُ القُبُورِ مِن دُعَائِها، والذَّبْحِ عندَهَا، وتعليقِ الخُيُوطِ وإِلقَاءِ الخِرَقِ في ضَرَائِحِ الأَمْوَاتِ ونحوِ ذلك، فاللهُ المُسْتَعَانُ.

وأما مَنَاةُ، فكانَت بالمُشَلَّلِ عندَ قَدِيدٍ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وكانَت خُزَاعَةُ والأَوْسُ والخَزْرَجُ يُعَظِّمُونَها، ويُهِلُّونَ منها للحَجِّ إلى الكَعْبَةِ. وأصلُ اشْتِقَاقِهَا من اسْمِ اللهِ المَنَّانِ، وقيلَ: مِنْ مَنَّى اللهُ الشَّيءَ: إذا قَدَّرَهُ. وقيلَ: سُمِّيَتْ مَنَاةَ؛ لِكَثْرَةِ ما يُمْنَى، أي: يُرَاقُ عندَهَا من الدِّماءِ للتَّبَرُّكِ بِها. قالَ ابنُ هِشَامٍ: فبعَثَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا فهَدَمَهَا عامَ الفَتْحِ.

قالَ ابنُ إسحاقَ في (( السِّيرَةِ ) ): وقدْ كانَتِ العَرَبُ اتَّخَذَتْ معَ الكَعبةِ طَوَاغِيتَ؛ وهي بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كتَعْظِيمِ الكعبةِ، لها سَدَنَةٌ وحُجَّابٌ، وتُهْدِي لها كَمَا يُهْدَى للكَعْبَةِ، وتَطُوفُ بِها, وتَنْحَرُ عندَهَا، وهي تَعْرِفُ فَضْلَ الكَعْبَةِ عليها؛ لأنَّهَا كانَتْ قد عَرَفَتْ أنَّهَا بَيْتُ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ ومَسْجِدُهُ. قُلْتُ: هذا الَّذي ذَكَرَهُ ابنُ إسحاقَ من شِرْكِ العَرَبِ هو بعَيْنِهِ الَّذي يَفْعَلُهُ عُبَّادُ القُبُورِ، بل زَادُوا عَلَى الأوَّلينَ.

إذا تَبَيَّنَ هذا فمَعْنَى الآيَةِ كمَا قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ فيها حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: أَفَرَأَيْتُمْ هذه الآلِهَةَ هل نَفَعَتْ أو ضَرَّتْ حتَّى تَكُونَ شُرَكَاءَ للهِ؟!

وقالَ غَيْرُهُ: {ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} ذَمٌّ، وهي المُتَأَخِّرَةُ الوَضِيعَةُ المِقْدَارِ، كقولِهِ: {وَقالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ} [الأَعْرَاف: 38] أي: وُضَعَاؤُهُم لرُؤَسَائِهِم.

وقولُهُ: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} [النَّجْم: 20] قالَ ابنُ كَثِيرٍ: أي: أَتَجْعَلُونَ له وَلَدًا وتَجْعَلُونَ وَلَدَهُ الأُنْثَى، وتَخْتَارُونَ لَكُم الذُّكُورَ؟! وقالَ غيرُهُ: يَجُوزُ أنْ يُرَادَ: اللاتُ والعُزَّى ومَنَاةُ إِنَاثٌ، وقد جَعَلْتُمُوهُنَّ للهِ شُرَكَاءَ، ومِن شَأْنِكُم أنْ تَحْتَقِرُوا الإِنَاثَ وتَسْتَنْكِفُوا من أن يُولَدْنَ لكم، أو يُنْسَبْنَ إليكُم، فكيفَ تَجْعَلُونَ هؤلاءِ الإِنَاثَ أنْدَادًا للَّهِ وتُسَمُّونَهُنَّ آلِهَةً؟!

قُلْتُ: ما أَقْرَبَ هذا القولَ إلى سِياقِ الآيَةِ.

وقولُهُ: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} أي: جَوْرٌ وباطِلَةٌ، فكيف تُقَاسِمُونَ رَبَّكُم هذه القِسْمَةَ التي لو كانتْ بينَ مَخْلُوقينَ كانَتْ جَوْرًا وسَفَهًا، فتُنَزِّهُونَ أنْفُسَكُم عن الإِنَاثِ، وتَجْعَلُونَهُنَّ للهِ، تعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت