فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 399

(1) أي: مِن الوَعِيدِ، وَهَلْ يَكُونُ شِرْكًا أم لا؟

(2) قَالَ ابنُ كَثِيرٍ: يَأْمُرُهُ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَ المُشْرِكينَ الَّذِينَ يَعْبدُونَ غيرَ اللَّهِ، ويَذْبَحونَ لغيرِ اسمِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وهذا كقولِهِ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] ، أي: أَخْلِصْ له صَلَاتَكَ وَذَبِيحتَكَ، فإنَّ المُشْرِكينَ يَعْبدُونَ الْأَصْنامَ، ويَذْبحُونَ لها، فَأَمَرَ اللَّهُ بمُخالَفَتِهِم، والْانْحِرافِ عمَّا هم فيه، والْإِقْبَالِ بالقَصْدِ والنِّيَّةِ، والعَزْمِ عَلَى الْإِخْلَاصِ للَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُجَاهِدٌ في قولِهِ: {صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] قالَ: النُّسُكُ الذَّبْحُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ. وقَالَ النَّوَوِيُّ عن السُّدِّيِّ عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ: ونُسُكِي: ذَبْحِي، وَكَذَا قالَ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ غيرُهُ: ومَحْيَايَ ومَمَاتِي، أي: وَمَا آتِيهِ في حَيَاتِي، وأَمُوتُ عَلَيْهِ مِن الْإِيمَانِ والعَمَلِ الصَّالحِ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ خالِصًا لوجْهِهِ، لا شَرِيكَ لَهُ، وبذلك مِن الْإِخْلَاصِ أُمْرِتُ، {وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ كُلِّ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٌ لِإِسْلَامِ أُمَّتِهِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: {وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} ، أي: مِن هذهِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابنُ كَثِيرٍ: وهو كَمَا قالَ، فإنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِياءِ قبلَهُ، كُلُّهُم كانَت دَعْوَتُهُم إلى الْإِسْلَامِ، وهو عِبَادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. كَمَا قالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبِياء: 25] وأَخْبَرَ تَعَالَى عن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يُونُس: 72] وذَكَرَ آيَاتٍ في هَذَا المَعْنَى.

قلْتُ: وفي الآيةِ دَلَائلُ مُتَعَدِّدَةٌ عَلَى أنَّ الذَّبحَ لغيرِ اللَّهِ شِرْكٌ، كمَا هو بيِّنٌ عندَ التَّأمُّلِ، وفيها بَيَانُ العِبَادَةِ، وأنَّ التَّوحيدَ مُنَافٍ للشِّرْكِ مُضَادٌّ لَهُ.

قالَ: وقولُهُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ العِبَادَتَيْنِ، وَهُمَا الصَّلَاةُ والنُّسُكُ الدَّالَّتانِ عَلَى القُرْبِ والتَّوَاضُعِ والْافْتِقَارِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ، وقوَّةِ اليَقِينِ، وطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ إلى اللَّهِ، وإلى عِدَتِهِ، عَكْسُ حالِ أَهْلِ الكِبْرِ والنَّفْرَةِ، وَأَهْلِ الغِنَى عنِ اللَّهِ الَّذينَ لَا حَاجَةَ لَهُم في صَلَاتِهِم إلى رَبِّهِم يَسْأَلُونَهُ إيَّاها، والَّذِينَ لَا يَنْحَرُونَ له خَوْفًا مِن الفَقْرِ. ولِهَذَا جَمَعَ بينَهُمَا في قولِهِ: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} الآيةَ, والنُّسُكُ: الذَّبِيحَةُ للَّهِ تَعَالَى ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ، فإنَّهَا أَجَلُّ ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللَّهِ، فإنَّهُ أتَى فيهِمَا بالفاءِ الدَّالَّةِ عَلَى السَّبِبِ، لأنَّ فِعْلَ ذلك سَبَبٌ للقِيَامِ بِشُكْرِ ما أَعْطَاهُ اللَّهُ مِن الكَوْثَرِ، وأَجَلُّ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ الصَّلَاةُ، وَأَجَلُّ العِبَادَاتِ المَالِيَّةِ النَّحْرُ، وَمَا يَجْتَمِعُ للعَبْدِ في الصَّلَاةِ لا يَجْتَمِعُ له في غَيْرِهَا، كَمَا عَرَفَهُ أَرْبَابُ القُلُوبِ الحَيَّةِ. وَمَا يَجْتَمِعُ لهُ في النَّحْرِ إِذَا قَارَنَهُ الْإِيمَانُ والْإِخْلَاصُ مِن قُوَّةِ اليَقِينِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ أَمْرٌ عَجِيبٌ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، كَثِيرَ النَّحْرٍ.

وقالَ غَيْرُهُ: أي: فاعْبُدْ رَبَّكَ الَّذي أَعَزَّكَ بإِعْطَائِهِ، وشَرَّفَكَ وصَانَكَ مِن مِنَنِ الخَلْقِ مُرَاغِمًا لقومِكَ الَّذينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وانْحَرْ لوَجْهِهِ وباسْمِهِ إِذَا نَحَرْتَ مُخَالِفًا لَهُم في النَّحْرِ للْأَوْثَانِ. انْتَهَى. وهَذَا هو الصَّحِيحُ في تَفْسِيرِهَا.

وأمَّا ما رَواهُ الحَاكمُ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذهِ السُّورةُ عَلَى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 1،2] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت