الحَمْدُ للَّهِ الذي يَرِثُ الأَرضَ ومَنْ عَليها، وهو خيرُ الوارثينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، قَيُّومُ السماواتِ والأَرَضِينَ، وَأَشْهَدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أفضلُ الخلقِ أَجْمَعِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى آلهِ وصَحْبِهِ الذينَ شَادُوا الدِّينَ.
(أَمَّا بَعْدُ) ، فَيَقُولُ العبدُ الفقيرُ إلى مولاهُ القديرِ إبراهيمُ البَاجُورِيُّ ذو التَقْصِيرِ، قدْ طَلَبَ مِنِّي بعضُ الأحبابِ الأذكياءِ الأنْجَابِ أنْ أَكْتُبَ حَاشِيَةً على الفوائدِ الشَّنْشُورِيَّةِ في شَرْحِ المَنْظُومَةِ الرَّحْبِيَّةِ، تُبْرِزُ ما فيها قد اسْتَتَرَ، وتَجمعُ ما في حَوَاشيها قد انْتَشَرَ، فَأَجَبْتُهُ لِمَا طَلَبَ مُتَوَسِّلًا بسيِّدِ العَجَمِ والعَرَبِ، وَسَمَّيْتُهَا التُّحْفَةَ الخَيْرِيَّةَ على الفوائدِ الشَّنْشُورِيَّةِ، وها أنا قَدْ شَرَعْتُ في المقصودِ بعونِ اللَّهِ المَلِكِ المعبودِ، فَقُلْتُ وباللَّهِ التوفيقِ لِأَهْدَى سبيلٍ وَأَقْوَمِ طريقٍ.
(قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، ابْتَدَأَ الشَّارِحُ بالبَسْمَلَةِ، ثمَّ بالحَمْدَلَةِ اقتداءً بالكتابِ العزيزِ، وَعَمَلًا بخبرِ:"كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ أَوْ أَجْذَمُ"، أي: نَاقِصٌ وقليلُ البركةِ، وخبرِ:"كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ"إلخ. واسْتَشْكَلَ العلماءُ هَاتَيْنِ الروايتَيْنِ بأنَّ بَيْنَهُمَا تَعَارُضًا؛ لأنََّّهُ إِن ابتَدَأَ الشَّخْصُ بالبسملةِ فَاتَهُ البداءةُ بالحَمْدَلَةِ، وبالعكسِ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ، أَشْهَرُهَا أنَّ الابتداءَ نَوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ.
فَالأَوَّلُ: هو الابتداءُ بما تَقَدَّمَ أَمَامَ المَقصودِ، ولم يسبِقْهُ شيءٌ، وعليهِ حُمِلَ حديثُ البسملةِ.
والثاني: هو الابتداءُ بما تَقَدَّمَ أَمامَ المقصودِ سَبَقَهُ شيءٌ أمْ لا، وعليهِ حُمِلَ حديثُ الحمدلةِ، ولم يُعْكَسْ معَ اندفاعِ التعارُضِ بهِ أيضًا للكتابِ وللإجماعِ، ثم إنَّ بَعْضَهُم قالَ: يُنَاسِبُ البسملةَ مِنْ فَنِّ الفرائضِ كذا، ككَوْنِ الباءِ باثْنَيْنِ عددِ أصحابِ الرُّبْعِ مثلًا، وَنَاقَشَهُ المُحَقِّقُ الأميرُ بأنَّ هذا لا يَلِيقُ؛ لأنَّ فيهِ إِخْرَاجًا لأشرفِ الجُمَلِ من المعاني الجليلةِ إلى المعاني المُبْتَذَلَةِ الرَكِيكَةِ. وأجابَ بَعْضُهُم بأنَّ هذا مأخوذٌ بطريقِ الرمزِ والإشارةِ لا بطريقِ التصريحِ والعبارةِ؛ فإنَّ البسملةَ مُشِيرَةٌ وَمُتَضَمِّنَةٌ لجميعِ معاني القرآنِ كما هو مشهورٌ، ومنْ جُمْلَةِ معاني القرآنِ معاني آياتِ المواريثِ. فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: الحَمْدُ للَّهِ) ، إِنَّمَا اختارَ التعبيرَ بالجملةِ الاسميَّةِ تَأَسِّيًا بالكتابِ، ولدَلالَتِهَا على الدوامِ والاستمرارِ، لَكِنْ لا بأصلِ الوضْعِ بلْ بالقرينَةِ، فلا يُنَافِي ما صَرَّحُوا بهِ منْ أنَّ نحوَ قولِكَ: زيدٌ مُنْطَلِقٌ، لا يَدُلُّ على أكثرَ مِنْ ثبوتِ الانطلاقِ لزيدٍ. وهذهِ الجملةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنشائيَّةٌ معنًى، واسْتُشْكِلَ بأنَّ الحَمدَ ثابتٌ للَّهِ أَزَلًا، فلا يُمْكِنُ للعبْدَ إِنْشَاؤُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لإنشاءِ الثناءِ بمضمونِ الجملةِ الذي هو ثُُبُوتُ الحمدُ للَّهِ لا لإنشاءِ نفسِ المضمونِ، حتَّى يُرَدَّ ما ذُكِرَ، ويَصِحُّ أنْ تكونَ خبريَّةً لَفْظًا ومعنًى، واسْتُشْكِلَ بأنَّ المطلوبَ من الشخصِ أنْ يَكُونَ حَامِدًا لا مُخْبِرًا بالحمدِ، فلا يَخْرُجُ الشخصُ منْ عُهْدَةِ الطلبِ بالإخبارِ بالحمدِ، وأُجِيبَ بأنَّ الإخبارَ بالحمدِ حَمْدٌ؛ لأنَّ مَعْنَاهُ الثناءُ بالجَمِيلِ، ولا شكَّ أنَّ الإخبارَ بأنَّ الحمدَ ثابتٌ للَّهِ فيهِ ثناءٌ بجميلٍ، وحينئذٍ فالمُخْبِرُ بالحمدِ حامدٌ، فَيَخْرُجُ منْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ بالإخبارِ، لكنَّ الأظهرَ الأوَّلُ.