الصفحة 4 من 396

(قَوْلُهُ: رَبِّ) ، يُطْلَقُ على مَعَانٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُم في قولِهِ:

قَرِيبٌ مُحِيطٌ مَالِكٌ وَمُدَبِّرٌ * مُرَبٍّ كَثِيرُ الخَيْرِ وَالمُولِي لِلنِّعَمْ

وَخَالِقُنَا المعبودُ جابرُ كَسْرِنَا * وَمُصْلِحُنَا وَالصَّاحِبُ الثابتُ القِدَمْ

وَجَامِعُنَا والسيِّدُ احْفَظْ فهذهِ * مَعَانٍ أَتَتْ لِلرَّبِّ فَادْعُ لِمَنْ نَظَمْ

وَأَصْلُهُ إمَّا رَابِبٌ، فَيَكُونُ اسمَ فاعلٍ حُذِفَتْ أَلِفُهُ تَخْفِيفًا، ثم سُكِّنَت الباءُ الأولَى وَأُدْغِمَتْ في الثانيةِ، وإمَّا رَبِبٌ فَيَكُونُ صِفَةً مُشَبَّهَةً، ثم سُكِّنَت الباءُ الأُولَى وَأُدْغِمَتْ في الثانيةِ، وعلى الأوَّلِ فهوَ منْ رَبَّ كَشَدَّ بمعنى جَمَعَ وأَصْلَحَ، فيكونُ مُتَعَدِّيًا، لا منْ رَبَّى بِأَلِفٍ بعدَ الباءِ المُضَعَّفَةِ، وإلَّا كانَ قِيَاسُهُ مُرَبِّيًا. وعلى الثاني فهوَ منْ رَبَّ كَشَدَّ أيضًا، لكنْ بمعنى لَزِمَ أوْ أقامَ، فيكونُ لازِمًا؛ لأنَّ الصفةَ المشبهةَ لا تُبْنَى من المُتَعَدِّي، أوْ يُجْعَلُ مِمَّا خَرَجَ عن القياسِ، وإضافتُهُ للعالَمِينَ منْ حيثُ افْتِقَارُهُم لهُ افتقارًا مُطْلَقًا.

(قَوْلُهُ: العَالَمِينَ) ، التحقيقُ أنَّهُ جَمْعٌ لِعَالَمٍ؛ لأنَّ العالَمَ وَإِنْ كانَ يُطْلَقُ على ما سِوَى اللَّهِ تَعَالى يُطْلَقُ أيضًا على كُلِّ جِنْسٍ، وعلى كلِّ صِنْفٍ، فَيُقَالُ: عَالَمُ الحَيَوَانِ، عالَمُ الإنسانِ، وهكذا. فَيَصِحُّ جَمْعُهُ على عَالَمِينَ بالإطلاقِ الثاني، ويكونُ خَاصًّا بالعُقَلَاءِ؛ لأنَّهُ لا يُجْمَعُ بالواوِ والنونِ إلَّا العقلاءُ.

وقيلَ: يَشْمَلُ غيرَهُم أيضًا، كما صَرَّحَ بهِ الراغِبُ، ولكنْ غَلَّبَ العقلاءَ على غيرِهم في جَمْعِهِ بالواو والنونِ لِشَرَفِهِم. نعمْ هوَ جَمْعٌ لمْ يَسْتَوْفِ الشروطَ؛ لأنَّ العالَمَ ليسَ بِعَلَمٍ ولا صِفَةٍ، ولا يُجْمَعُ هذا الجَمْعَ إلَّا مَا كانَ عَلَمًا أوْ صِفَةً، على أنَّهُ قدْ جَرَى في الكَشَّافِ على أنَّهُ جَمْعٌ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ؛ لأنَّ العالَمَ في حُكْمِ الصفةِ، فَإِنَّهُ عَلَامَةٌ على وُجُودِ خَالِقِهِ، فما جرى عليهِ الأُستاذُ الحِفْنِيُّ منْ أنَّهُ اسمُ جَمْعٍ، وَتَبِعَهُ عليهِ بعضُ الحواشِي خِلَافَ التحقيقِ، وقَدْ عَلَّلُوا كَوْنَهُ اسمَ جَمْعٍ لا جَمْعًا بأنَّ عَالَمًا ليسَ بِعَلَمٍ ولا صِفَةٍ، وبأنَّ شَأْنَ الجمعِ أنْ يكونَ أَعَمَّ منْ مُفْرَدِهِ، وهنا بالعكسِ؛ فإنَّ العالَمَ اسمٌ لجميعِ ما سِوَى اللَّهِ تعالى، والعالَمِينَ خاصٌّ بالعُقَلاءِ، ولو خَصَّ العالَمَ بالعقلاءِ فقطْ لم يُفِدْ؛ لأنَّ غايةَ ما يُسْتَفَادُ بذلكَ مساواةُ المفردِ لِجَمْعِهِ، وشأنُ الجمْعِ أنْ يكونَ أَعَمَّ كما عَلِمْتَ. وَنَاقَشَهُ المُحَقِّقُ الأميرُ في ذلكَ بأنَّ التعليلَ الأوَّلَ لا يُنْتِجُ أنَّهُ اسمُ جَمْعٍ، وإِنَّمَا يُنْتِجُ أنَّهُ جَمْعٌ لم يَسْتَوْفِ الشروطَ، فلا يَنْقَاسُ جَمْعُهُ هذا الجمعَ، وبأنَّ التعليلَ الثاني كما يُبْطِلُ الجمعيَّةَ يُبْطِلُ كَوْنَهُ اسمَ جَمْعٍ؛ فَإِنَّ كُلًّا من الجَمْعِ واسمِ الجَمْعِ لَا بُدَّ أنْ يَكُونَ أَعَّمَ مِنْ مُفْرَدِهِ، أي أكثرَ منهُ، وإلَّا فما معنى كَوْنِهِ اسمَ جَمْعٍ، حيثُ لم يُسَاوِ الجمعَ في ذلكَ. نعمْ، اسمُ الجَمْعِ منْ بابِ الكُلِّ، والجمعُ منْ بابِ الكُلِّيَّةِ، ولذلكَ قالوا: الفرقُ بينَ اسمِ الجمعِ وبَيَنَ الجمعِ أنَّ الأوَّلَ ما دَلَّ على الآحادِ المجتمعَةِ دلالةَ المركَّبِ على أجزائِهِ، فإذا قُلْتَ: جاءَ القومُ، فقدْ حَكَمْتَ على الهيئةِ المجتمعةِ حُكْمًا واحدًا، والثانيَ مَا دَلَّ على الآحادِ المجتمعةِ دلالةَ تكرارِ الواحدِ بحرفِ العطفِ، فإذا قُلْتَ: جاءَ الزَّيْدُونَ، فَقَدْ حَكَمْتَ على كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَكَأَنَّكَ قُلْتَ: جَاءَ زَيْدٌ وَزَيْدٌ، وَهَكَذَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت