(قَوْلُهُ: وَأَشْهَدُ إلخ) ، هذهِ الجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وليستْ مَعْطُوفَةً على جملةِ الحمدلةِ؛ لعدمِ التناسُبِ بينَ الجملتَيْنِ، فإنَّ جُمْلَةَ الحمدلةِ اسميةٌ، وهذهِ فِعْلِيَّةٌ، وإنْ نَظَرْتَ لِقَوْلِهِم: الجملةُ الاسميةُ أصلُهَا الجملةُ الفعليةُ، والأصلُ أَحْمَدُ حَمْدًا للَّهِ، حَصَلَت المناسبةُ بهذا الاعتبارِ، فَيَحْسُنُ العطفُ حينئذٍ. ومعنى أَشْهَدُ أَعْتَرِفُ بِلِسَانِي معَ الإذعانِ بالقلبِ الذي هوَ حديثُ النفسِ التابعُ للمعرفةِ، ولا يَكْفِي الاعترافُ باللسانِ فَقَطْ كَمَا كانَ يَفْعَلُهُ المنافقونَ، ولا المعرفةُ منْ غيرِ إِذْعَانٍ؛ لأنَّ بعضَ الكفَّارِ يَعْرِفُونَ الحقَّ لكنَّهُم غيرُ مؤمنينَ لِعَدَمِ الإِذعانِ، معَ أنَّ عِندَهُم مَعْرِفَةً، قالَ تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} ، (وقولُهُ: أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ) ، أيْ أنَّهُ: أي الحالَ والشأنَ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ مُخفَّفَةٌ من الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشأنِ، ولا: نافيةٌ للجنسِ، واللَّهُ: اسْمُهَا مَبْنِيٌّ على الفتحِ في محلِّ نصبٍ، وإلَّا: أَدَاةُ حَصْرٍ، ولفظُ الجلالةِ بالرفعِ بَدَلٌ من الضميرِ المُسْتَتِرِ في الخبرِ، أوْ بالنصبِ على الاستثناءِ لا على البَدَلِيَّةِ منْ مَحَلِّ اسمِ لا؛ لأنَّها لا تَعْمَلُ إلَّا في النكرةِ، واسمُ اللَّهِ مَعْرِفَةٌ، وهلْ يُقَدَّرُ الخبرُ منْ مادَّةِ الوجودِ أوْ منْ مادَّةِ الإمْكَانِ؟
اخْتَارَ بَعْضُهُم الأوَّلَ؛ لأنَّهُ لو قُدِّرَ منْ مادَّةِ الإمْكَانِ لم يُفِدْ وُجودَ اللَّهِ تعالى، والراجحُ الثاني؛ لأنَّهُ لو قُدِّرَ منْ مادَّةِ الوجودِ لَمْ يُفِدْ نَفْيَ إمكانِ غَيْرِهِ تعالى من الآلهةِ، معَ أنَّهُ المقصودُ من الكلمةِ المُشَرَّفَةِ، وَأَمَّا وُجُودُهُ تعالى فَمُتَّفَقٌ عليهِ بينَ أرْبابِ المِلَلِ كُلِّهَا، فَلَا ضَرَرَ في عَدَمِ إفادتِهِ على هذا التقديرِ، والمعنى عليه: لا إلهَ مُمْكِنٌ إلَّا اللَّهُ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ أيْ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فَيَصْدُقُ بالواجبِ والجائزِ، والواقعُ أنَّهُ وَاجِبٌ، فهوَ كقولِكَ: اللَّهُ موجودٌ بالإمكانِ العامِّ، بمعنى أنَّ عَدَمَ وجودِهِ ليسَ بِوَاجِبٍ بلْ مُسْتَحِيلٌ، فيكونُ وجودُهُ وَاجِبًا. فَضَابِطُ الإمكانِ العامِّ سَلْبُ الضرورةِ، بِمَعْنَى الوجوبِ، عن الطرَفِ المخالفِ لِمَا نَطَقْتَ بهِ، بخلافِ الإمكانِ الخاصِّ فَضَابِطُهُ سَلْبُ الضرورةِ بالمعنى المذكورِ عنْ كُلٍّ من الطرَفِ الموافقِ لِمَا نَطَقْتَ بهِ والمخالفِ لهُ، فَإِذَا قُلْتَ: زيدٌ مَوْجُودٌ بالإمكانِ الخاصِّ، كانَ المعنى: وُجُودُهُ ليسَ بِوَاجِبٍ، وَعَدَمُ وُجُودِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَيَكُونُ وُجُودُهُ جَائِزًا، والحَقُّ أنَّ المَنْفِيَّ في الكلمةِ المُشَرَّفَةِ المعبودُ بِحَقٍّ غَيْرَ اللَّهِ باعتبارِ الواقعِ كما انْحَطَّ عليهِ كلامُ الشيخِ الأميرِ، والمعنى: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ في الواقعِ إلَّا اللَّهُ. وفي الكلمةِ الشَّرِيفَةِ أبحاثٌ أُخَرُ مَنْ أَرَادَهَا فَلْيُرَاجِعْهَا.
(قَوْلُهُ: وَحْدَهُ) ، أيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُنْفَرِدًا، فهوَ حالٌ منْ لفظِ الجلالةِ بِتَأْوِيلِهِ بِنَكِرَةٍ.
وقولُهُ: (لا شَرِيكَ لهُ) ، حَالٌ بعدَ حالٍ، فَإِنْ عَمَّمْنَا في كُلٍّ مِنْهُمَا كانت الثانيةُ للتأكيدِ، وإنْ خَصَّصْنَا الأوَّلَ بِكَوْنِهِ وحدَهُ في ذاتِهِ، والثانيَ بِكَوْنِهِ لا شريكَ لهُ في صفاتِهِ ولا في أفعالِهِ، كانت الثانيةُ للتأسيسِ، وهوَ خيرٌ من التأكيدِ.
(قَوْلُهُ: المَلِكُ) ، بكسرِ اللامِ من المُلْكِ بِضَمِّ الميمِ، أي: المُتَصَرِّفُ بالأمرِ والنهيِ، سواءٌ كانَ لهُ أعيانٌ مَمْلُوكَةٌ أمْ لا. وأمَّا مَالِكٌ بالألِفِ فهوَ من المِلْكِ بكسرِ الميمِ، أي التصرُّفُ في الأعيانِ المَمْلُوكةِ، سواءٌ كانَ مُتَصَرِّفًا أيضًا بالأمرِ والنهيِ أم لا. وعلى هذا فَبَيْنَهُمَا العمومُ والخصوصُ الوَجْهِيُّ، واللَّهُ تعالى مُتَصَرِّفٌ بالأمرِ والنهيِ، ومتصرِّفٌ في الأعيانِ المملوكةِ لهُ، فهوَ مَلِكٌ ومَالِكٌ؛ ولذلكَ قُرِئَ بهما في قولِهِ تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} . والتفرقةُ بينَ المُلْكِ بِضَمِّ الميمِ والمِلْكِ بكسرِها عُرْفٌ طَارِئٌ، وإلَّا فَهُمَا لُغَتَانِ في مَصْدَرِ مَلَكَ، كما قالَهُ البَيْضَاوِيُّ في تَفْسِيرِهِ.