(قَوْلُهُ: الحقُّ) ، أي: الثابتُ منْ حقِّ الشيءِ، ثَبَتَ فهوَ تعالى ثَابِتٌ أَزَلًا وأبدًا، فلم يَسْبِقْهُ ولا يَلْحَقْهُ عدمٌ، بخلافِ ما عدَاهُ؛ فَإِنَّهُ مَسْبُوقٌ بِعَدَمٍ وَمَلْحُوقٌ بهِ، ولو بالقَابِلِيَّةِ كالجنَّةِ والنارِ، وهوَ المرادُ بالبُطْلَانِ في قولِهِ:
* أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ *
وَيَصِحُّ أنْ يكونَ المعنى: الحقُّ مُلْكُهُ، أيْ أنَّ مُلْكَهُ بطريقِ الحقِّ لا بطريقِ التَّغَلُّبِ، فيكونُ قولُه: (الحقُّ) ، احْتِرَاسًا.
(قَوْلُهُ: المُبِينُ) ، أَصْلُهُ (مُبْيِنٌ) ، بِسُكُونِ الباءِ وكسْرِ الياءِ، نُقِلَتْ حركةُ الياءِ للساكنِ قَبْلَهَا، ومعناهُ المُظْهِرُ للحقِّ فَيُتَّبَعُ، وللباطلِ فَيُجْتَنَبُ، أو المظهِرُ للأمورِ العَجِيبَةِ الدالَّةِ على مُلْكِهِ وَحَقِّيَّتِهِ. وهذا كُلُّهُ إنْ أُخِذَ مِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى أَظْهَرَ، فإنْ أُخِذَ مِنْ أَبَانَ بمعنى بَانَ أيْ ظَهَرَ، كانَ مَعْنَاهُ البَيِّنُ الظاهرُ الذي لا خَفَاءَ فيهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَشْهَدُ أنَّ إلخ) ، إِنَّمَا كَرَّرَ لَفْظَ الشهادةِ معَ الاستغناءِ عنهُ بِأَشْهَدُ الأوَّلِ؛ فَإِنَّهُ سُلِّطَ على ذلكَ بِوَاسِطَةِ العطفِ لمزيدِ الاعتناءِ بالشهادةِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وقولُهُ: سَيِّدَنَا) ، أيْ: جَمِيعِ المخلوقاتِ إِنْسًا وَجِنًّا وَمَلَائِكَةً، والسَّيِّدُ يُطْلَقُ على الحَلِيمِ الذي لا يَسْتَفِزُّهُ غَضَبٌ، وعلى مَنْ كَثُرَ سَوَادُهُ أيْ جَيْشُهُ، وعلى غَيْرِ ذلكَ. (قَوْلُهُ: مُحَمَّدًا) ، بَدَلٌ منْ (سَيِّدَنَا) ، وهذا الاسمُ أَشْرَفُ أَسْمَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَرُهَا بينَ العالَمِينَ؛ ولذا خُصَّتْ بهِ الكلمةُ المُشَرَّفَةُ، (وقولُه: عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، خَبَرانِ لِـ (أَنَّ) ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الوصفُ بالعبودِيَّةِ على الوصفِ بالرسالةِ امْتِثَالًا لقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ولكنْ قُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".
ومعنى العبوديَّةِ هنا التَّذَلُّلُ والخضوعُ، وأمَّا العِبَادَةُ فَمَعْنَاهَا غايةُ التَّذَلُّلِ والخضوعِ، فالعبادةُ أَبْلَغُ من العبوديَّةِ، ولكنَّهَا وَصْفٌ شَرِيفٌ جَلِيلٌ، ولذلِكَ وُصِفَ بِهَا في أَسْمَى المقاماتِ، كَمَقَامِ الإسراءِ وَمَقَامِ إنزالِ الكتابِ وغيرِ ذلكَ، وَمِمَّا يُعْزَى للقاضي عِيَاضٍ:
وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا * وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي * وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا
وفي جَمْعِهِ بينَ العبدِ والسيِّدِ من المُحَسِّنَاتِ البَدِيعِيَّةِ جناسُ الطِّبَاقِ، وهوَ الجمعُ بينَ ضِدَّيْنِ في الكلامِ.
(قَوْلُهُ: خَاتَمُ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ) ، بُحِثَ فيهِ بأنَّهُ يَلْزَمُ منْ خَتْمِ الأعمِّ خَتْمُ الأخَصِّ، فَذِكْرُ المرسلِينَ مُسْتَدْرَكٌ، وأُجِيبَ بأنَّهُ ذَكَرَهُمْ لِشَرَفِهِمْ.