(قَوْلُهُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، إِنَّمَا اختارَ التعبيرَ بالماضي إشارةً إلى تَحَقُّقِهِمَا، كَمَا قَالُوهُ في {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} .
وقولُهُ: (عليهِ) ، أيْ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ. وفي التعبيرِ بِعَلَى إشارةٌ إلى أنَّ الصلاةَ والسلامَ تَمَكَّنَا منهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَكُّنِ المُسْتَعْلِي من المُسْتَعْلَى عليهِ، ففي الكلامِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في الحرفِ، وَتَقْرِيرُهَا أنْ يُقَالَ: شَبَّهَ مُطْلَقَ ارتباطِ دُعَاءٍ بِمَدْعُوٍّ لهُ بِمُطْلَقِ ارتباطِ مُسْتَعْلٍ بِمُسْتَعْلًى عَلَيهِ، فَسَرَى التشبيهُ من الكُلِّيَّاتِ للجزئياتِ، واسْتُعِيرَتْ على مِن ارتباطِ مُسْتَعْلٍ بِمُسْتَعْلًى عَلَيْهِ خَاصَّيْنِ لِارْتِبَاطِ دُعَاءٍ بِمَدْعُوٍّ لهُ خَاصَّيْنِ، والتحقيقُ أنَّ صَلَّى يِتَعَدَّى بعلى، فلا حَاجَةَ لِلاسْتِعَارَةِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلى آلِهِ) ، عَطْفٌ على الضميرِ في عليهِ بإعادةِ الخافضِ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ العطفُ على الضميرِ المجرورِ منْ غيرِ إعادةِ الجارِّ عندَ الجمهورِ، وأجازَهُ ابنُ مَالِكٍ، وللإشارةِ إلى أنَّ العَطِيَّةَ الواصلةَ للآلِ والصَّحْبِ دونَ العَطِيَّةِ الواصلةِ لهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنَّمَا قَدَّمَ الآلَ على الصَّحْبِ؛ لأنَّ الصلاةَ على الآلِ ثَابِتَةٌ بالنصِّ كقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ". وأمَّا الصلاةُ على الصَّحْبِ فهيَ ثَابِتَةٌ بالقياسِ، والمرادُ بالآلِ في مَقَامِ الدعاءِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ولو عَاصِيًا، وَفِي مقامِ المَدْحِ الأنقياءُ، وَفِي مقامِ الزكاةِ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ، عندنا مَعَاشِرَ الشافعيَّةِ. وأمَّا عندَ المالكيَّةِ فَبَنُو هَاشِمٍ فقطْ.
(قَوْلُهُ: وَصَحْبِهِ) ، عَطْفٌ على الآلِ، وهوَ منْ عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ عُمُومًا مُطْلَقًا، لِمَا عَلِمْتَ منْ أنَّ المرادَ بالآلِ في مقامِ الدعاءِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ولوْ عاصيًا. وأمَّا بالنَّظَرِ لإطلاقِ الآلِ على بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ فيكونُ منْ عَطْفِ الخاصِّ منْ وَجْهٍ على العامِّ منْ وَجْهٍ؛ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ الآلُ والصحبُ في سَيِّدِنَا عَلِيٍّ، وَيَنْفَرِدُ الصَّحَابِيُّ في سَيِّدِنَا أبي بَكْرٍ، وَيَنْفَرِدُ الآلُ في الأشرافِ الآنَ.
(قَوْلُهُ: أَجْمَعِينَ) ، تَأْكِيدٌ لِكُلٍّ مِن الآلِ والصحبِ.
(قَوْلُهُ: صَلَاةً وَسَلَامًا) ، هما اسْمَا مَصْدَرٍ لِصَلَّى وَسَلَّمَ، منصوبانِ على المفعوليَّةِ المُطْلَقَةِ، مُبَيِّنَانِ لنوعِ عَامِلِهِمَا، وهوَ الصلاةُ والسلامُ الدائِمَانِ.
(قَوْلُهُ: دَائِمَيْنِ) ، اسْتُشْكِلَ بأنَّ الصلاةَ والسلامَ لَفْظَانِ يَنْقَضِيَانِ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بهما، فكيفَ يُوصَفَانِ بالدوَامِ، وَأُجِيبَ بأنَّ المرادَ دَائِمَيْنِ منْ حيثُ ثَوَابُهُمَا، وهذا مُتَضَمِّنٌ للدعاءِ بِقَبُولِ صَلَاةِ المُصَلِّي وَسَلَامِهِ وَبِاسْتِمْرَارِ إِيمَانِهِ وَمَوْتِهِ على الإيمانِ. والحقُّ أنَّ الصلاةَ والسلامَ هنا مَطْلُوبَانِ من اللَّهِ تعالى، والدوامَ وَصْفٌ لَهُمَا حَقِيقَةً، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قولُهُ دَائِمَيْنِ نَعْتًا مَوْصُولًا لاختلافِ العامِلَيْنِ مَعْنًى، ولا مَقْطُوعًا؛ لأنَّ شَرْطَهُ تَعَيُّنُ المَتْبُوعِ بدونِ النَّعْتِ، وهنا لمْ يَتَعَيَّنْ هلْ هما دَائِمَانِ أوْ لا، وحينئذٍ فَهِيَ حَالٌ من النكرةِ، وإنْ كانَ قَلِيلًا على حَدِّ:"صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ فِي مَرَضِهِ جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ رِجَالٌ قِيَامًا"، كذا قالَهُ الشمسُ الحِفْنِيُّ. وَنُوقِشَ بِتَوْجِيهِ كونِهِ موصولًا بأنَّ العامِلَيْنِ فِي حُكْمِ المُتَّحِدَيْنِ معنًى؛ إذْ مَعْنَى الصلاةِ الرحمةُ والتعظيمُ، ومعنى السلامِ التَّحِيَّةُ، وهيَ رَحْمَةٌ وتعظيمٌ. وَنُوقِشَ أيضًا بِتَوْجِيهِ كَوْنِهِ مَقْطُوعًا بأنَّ المتبوعَ في هذا المقامِ مُتَعَيِّنٌ، فإنَّ اللائقَ بهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاةُ والسلامُ الدائمانِ، على أنَّهُ يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ من القلَّةِ بِجَعْلِهِ حَالًا منْ محذوفٍ معَ العاملِ فيها، والتقديرُ أَطْلُبُهُمَا دَائِمَيْنِ.