الصفحة 8 من 396

(قَوْلُهُ: إلى يَوْمِ الدِّينِ) ، أيْ: إلى يومِ الجزاءِ الذي هوَ يَوْمُ القيامةِ، وأَوَّلُهُ النفْخَةُ الثانيةُ، ولا انتهاءَ لهُ، وقيلَ انتِهَاؤُهُ باستقرارِ أهلِ الجنَّةِ في الجنَّةِ، وأهلِ النارِ في النارِ. والغرضُ منْ ذلكَ التأْبِيدُ كما هوَ عادةُ العربِ، فإنَّ عَادَتَهُمْ أنَّهُمْ يَأْتُونَ بمثلِ ذلكَ وَيُرِيدُونَ منهُ التأبيدَ، كما في قولِهِ:

إِذَا غَابَ عَنْكُمْ أَسْودُ العَيْنِ كُنْتُمْ * كِرَامًا وأَنْتُمْ ما أَقَامَ أَلَائِمُ

أيْ: إذا غابَ عنكمْ أَسْوَدُ العينِ، وَهُو جَبَلٌ مَعْرُوفٌ، كُنْتُمْ كِرَامًا، وَأَنْتُمْ أَلَائِمُ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ، أيْ دَائِمًا وَأَبَدًا، فَتَكُونُ الغايةُ دَاخِلَةً على خِلَافِ الغالبِ في الْمِغْيَابَالِي. وَالمُنَاسِبُ للتأبيدِ أنْ يُرَادَ بيومِ الدينِ ما لا انْتِهَاءَ لهُ كما هوَ القولُ الأوَّلُ.

(قَوْلُهُ: وبعدُ) ، قد اشْتُهِرَ أنَّ الواوَ نَائِبَةٌ عنْ أمَّا، وهيَ نائِبَةٌ عنْ مَهْمَا. والأصلُ الأصيلُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ، فيقولُ: بَعْدُ إلخ، فَحُذِفَتْ مَهْمَا وَيَكُنْ وَمِنْ شَيْءٍ، وَأُقِيمَتْ أَمَّا مَقَامَ ذلكَ، فصارَ أَمَّا بَعْدُ. وبعضُ العلماءِ يُعَبِّرُ بذلكَ فيقولُ: أمَّا بَعْدُ، وهوَ السُّنَّةُ؛ لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقالَ:"أَمَّا بَعْدُ". وَبَعْضُهُمْ يَحْذِفُ أَمَّا وَيُعَوِّضُ عنها الواوَ فيقولُ: وَبَعْدُ، كما هنا، فالواوُ نائِبَةُ النائبِ. وَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ للاستئنافِ، أوْ لِعَطْفِ قِصَّةٍ على قِصَّةٍ، والظرفُ مَبْنِيٌّ على الضَّمِّ لِحَذْفِ المُضَافِ إليهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ، أي النسبةِ التَّقْيِيدِيَّةِ التي بَيْنَ المضافِ والمضافِ إليهِ، وهذهِ كلمةٌ يُؤْتَى بها للانتقالِ منْ أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخَرَ، أي منْ نوعٍ من الكلامِ إلى نوعٍ آخَرَ، وبينَ النوعَيْنِ نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ كما هنا، فإنَّ بَيْنَ ما قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا نَوْعَ مُنَاسَبَةٍ؛ لأنَّ كُلًّا تَمْهِيدٌ للتأليفِ، فهيَ منْ قَبِيلِ الاقتضابِ المَشُوبِ بالتَّخَلُّصِ، أي الاقتطاعِ المخلوطِ بالتَّخَلُّصِ، وأمَّا الاقتضابُ المَحْضُ أي الاقتطاعُ الخالصُ فهوَ الانتقالُ منْ كلامٍ إلى آخرَ لا مناسبةَ بينهما، كما في قولِهِ:

لَوْ رَأَى اللَّهُ أنَّ في الشيْبِ خَيْرًا * جَاوَرَتْهُ الوِلْدَانُ في الخُلْدِ شَيْبَا

كُلَّ يَوْمٍ تُبْدِي صُرُوفُ اللَّيَالِي * خُلُقًا منْ أبي سعيدٍ غَرِيبَا

فلا مناسبةَ بينَ البيتِ الأوَّلِ والثاني، فَيُسَمَّى الانتقالُ في ذلكَ الاقتضابَ المَحْضَ. وأمَّا التَّخَلُّصُ المَحْضُ فهوَ الانتقالُ منْ كلامٍ إلى آخَرَ معَ المناسبةِ الظاهرةِ، كما في قولِهِ:

أَمَطْلَعَ الشمسِ تَبْغِي أنْ تَؤُمَّ بِنَا * فَقُلْتُ كَلَّا وَلَكِنْ مَطْلَعَ الجُودِ

فبينَ مَطْلَعِ الشمسِ ومطلعِ الجودِ مُنَاسَبَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَيُسَمَّى الانتقالُ في ذلكَ التَّخَلُّصَ المَحْضَ. والحاصلُ أنَّ أقسامَ الانتقالِ ثلاثةٌ: اقتضابٌ مَحْضٌ، وَتَخَلُّصٌ مَحْضٌ، واقْتِضَابٌ مَشُوبٌ بِتَخَلُّصٍ، وَبَقِيَتْ أَبْحَاثٌ في هذهِ الكلمةِ مَشْهُورَةٌ لا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت