وانظر: الأحاديث التي خولف فيها مالك (56) .
قال الطحاوي:"فلم يكن هذا عندنا بمفسد لهذا الحديث، ولا مقصر به عن إطلاق الاحتجاج به، وإضافته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه وإن كان هذان قد روياه عن مالك موقوفا، فقد رواه من هو أجل منهما عن مالك مرفوعا، وقد روى هذا الحديث أيضا عن عمرو بن مسلم مرفوعا غير مالك بن أنس، وهو سعيد بن أبي هلال".
وقال ابن عبد البر:"ترك مالك أن يحدث بهذا الحديث في آخر عمره، وقاله عنه عمران بن أنس [كذا قال، وإنما هو عمران بن أبان، وسبق التنبيه على روايته] ، فقال: ليس من حديثي، قال: فقلت لجلسائه: فقد رواه عنه شعبة، وهو يقول: ليس من حديثي".
وقال في التمهيد (17/ 237) و (23/ 194) :"وقد ذكر عمران بن أنس أنه سأل مالكًا عن حديث أم سلمة هذا؟ فقال: ليس من حديثي، قال: فقلت لجلسائه: قد رواه عنه شعبة، وحدث به عنه، وهو يقول: ليس من حديثي، فقالوا لي: إنه إذا لم يأخذ بالحديث قال فيه: ليس من حديثي" [وبنحو هذا وقع في الطيوريات (1) ] .
وعمران بن أبان هذا: ضعيف، لا يعتمد على نقله، ولو فرضنا ثبوته، لكان حجة لنا، في كون مالك رواه ثم امتنع من التحديث به بعد ذلك لإعراضه عن العمل به، والله أعلم.
قلت: نعم؛ لم يودعه مالك في موطئه، وامتنع من التحديث به في آخر عمره، وأما قوله: ليس من حديثي، فمستنكر عن مالك، انفرد به عن شعبة: عمران بن أبان، وهو: ضعيف، ولعل مالكًا أسقطه من الموطأ بعد أن أدخله فيه، بدليل عدم تفرد شعبة به عن مالك، فقد تابعه عليه جماعة من رواة الموطأ، لكن لعل الحامل على إخراج مالك له من الموطأ شكه في رفعه ووقفه، حيث وقع الاختلاف في ذلك بين أصحابه، أو أنه ترك العمل بمقتضاه لدليل رآه أرجح منه، مثل حديث عائشة في بعث المقيم بالهدي إلى مكة ثم لا يجتنب ما يجتنبه المحرم، ويأتي الجواب عنه في آخر البحث، لكن ذلك عندي لا يوجب القول بضعف الحديث، واطراحه، فقد ثبتت الرواية فيه عن مالك بغير شك، لكن مالكًا كان شديد الاحتياط والتوقي، وكان إذا شك في شيء طرحه، وتكفينا في ذلك رواية شعبة والقعنبي وأبي مصعب والتنيسي وابن بكير، وقد رفعوه جميعًا عن مالك، وهو الأرجح عندي، لاسيما مع إخراج مسلم لرواية شعبة المرفوعة، واحتجاجه بها، فالمحفوظ فيه عن مالك الرفع؛ لا الوقف، والله أعلم.
بل إن ابن عبد البر قد نقل تصحيح أحمد له عن مالك، فقال في الاستذكار (4/ 85) :"وأما أحمد بن حنبل فقال: هو صحيح من رواية مالك"؛ فماذا بعد؟!.
• ورواه معاذ بن معاذ العنبري [واختلفت الرواية عن معاذ، فوقع في بعض المصادر: عن عمرو، بدل: عمر] ، وعبدة بن سليمان، ومحمد بن عبد الله الأنصاري: