3.وفصاحةُ المُتْكَلِّمِ مَلَكَةٌ [1] يَقْتَدِرُ بها [2] على التعبيرِ عن المقصودِ [3] بكلامٍ فصيحٍ [4]
في أيِّ غَرَضٍ كانَ [5] .
(والبلاغةُ) في اللغةِ: الوصولُ والانتهاءُ [6] ، يُقَالُ: بَلَغَ فلانٌ مُرَادَهُ [7] إذا وَصَلَ إليهِ [8] وبَلَغَ الرَّكْبُ [9] المدينةَ إذا انْتَهَى إليها [10] ، وَتَقَعُ في الاصطلاحِ وَصْفًا للكلامِ [11] و [12] المُتَكَلِّمِ [13] .
1 -فبلاغةُ الكلامِ مطابقتُهُ [14] لِمُقْتَضَى الحالِ [15] . مَعَ فَصَاحَتِهِ [16] .
(1) (وفصاحةُ المُتَكَلِّمِ مَلَكَةٌ) أي: صفةٌ وجوديَّةٌ راسخةٌ فِي نفسِ صاحبِها، فإنْ لمْ تَكُنْ رَاسِخَةً كالفرحِ واللذَّةِ والألمِ كانتْ حالًا.
(2) (يَقْتَدِرُ بِهَا) أي: يكونُ قادِرًا قدرةً تامَّةً بسببِ هذهِ المَلَكَةِ.
(3) (على التعبيرِ عن المقصودِ) أَل اسْتِغْرَاقِيَّةٌ أي: كلُّ ما وَقَعَ عليهِ قَصْدُ المُتَكَلِّمِ وإرادتُهُ.
(4) (بكلامٍ فصيحٍ) أي: خالٍ عن العيوبِ الثلاثةِ عن الخَلَلِ فِي مادَّتِهِ، وذلكَ بعدمِ تَنَافُرِ كلماتِهِ، وعن الخَلَلِ فِي تأليفِهِ، وذلكَ بعدمِ ضَعْفِ تأليفِهِ، وعن الخَلَلِ فِي دلالتِهِ على المعنى التَّرْكِيبِيِّ، وذلك بِعَدَمِ التعقيدِ بِنَوْعَيْهِ.
(5) (فِي أيِّ غَرَضٍ كانَ) أي: فِي أيِّ نَوْعٍ مِن المعاني كالمَدْحِ والذَّمِّ والرِّثَاءِ وغيرِ ذلِكَ. فإذًا المدارُ على وجودِ تلكَ المَلَكَةِ فيهِ, سواءً وُجِدَ منهُ التعبيرُ عن جميعِ المقاصدِ أو عن بعضِها أو لمْ يُوجَد التعبيرُ عنها بالكُلِّيَّةِ. وعُلِمَ أيضًاأن مَلَكَةَ الاقتدارِ على التعبيرِ عن بَعْضِ المقاصدِ بلفظٍ فصيحٍ غيرُ كافِيَةٍ فِي كَوْنِ المُتَكَلِّمِ فصيحًا.
(6) (والبلاغةُ فِي اللغةِ الوصولُ والانتهاءُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
(7) (يُقَالُ: بَلَغَ فلانٌ مُرَادَهُ) أي: غَرَضَهُ ومَقْصُودَهُ.
(8) (إذا وَصَلَ إليهِ) ويُقَالُ:
(9) (بَلَغَ الرَّكْبُ) جَمْعُ راكِبِ الدابَّةِ, مثلَ صاحِبٍ وصَحْبٍ.
(10) (المدينةَ إذا انتهي إليها) قالَ فِي القاموسِ: بَلَغَ الرجلُ بلاغةً, إذا كانَ يَبْلُغُ بعبارتِهِ كُنْهَ مرادِهِ مع إيجازٍ, بلا إخلالٍ أو إطالةٍ بلا إِمْلَالٍ ا هـ.
(11) (وَتَقَعُ فِي الاصطلاحِ وَصْفًا للكلامِ) كما فِي قولِكَ: قصيدةٌ أو رسالةٌ بَلِيغَةٌ.
(12) (و) وَصْفًا
(13) لـ (لْمُتَكَلِّمِ) كما فِي قولِكَ: شاعرٌ أو كاتبٌ بَلِيغٌ, ولا تَقَعُ وَصْفًا للكلمةِ لِعَدَمِ السماعِ؛ لأنَّ معناها مطابقةُ مُقْتَضَى الحالِ، ولا تَتَحَقَّقُ إلَّا فِي ذِي الإسنادِ المفيدِ، وهذا مُنْتَفٍ عن الكلمةِ.
(14) (فبلاغةُ الكلامِ مطابقَتُهُ) أي: الكلامِ، والإضافةُ فيهِ للكمالِ، وهِيَ المقصودةُ لِقَائِلِهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بوجوبِ القَصْدِ إلى الخصوصِيَّةِ فِي الكلامِ البليغِ.
(15) (لِمُقْتَضَى الحالِ) أي: لِمُنَاسِبِ الحالِ, لَا مُوجِبِهِ الذي يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ عنهُ, وإنَّمَا أُطْلِقَ عليهِ (مُقْتَضَى) لأنَّ المُسْتَحْسَنَ كالمُقْتَضَى فِي نَظَرِ البُلَغَاءِ، والمرادُ بمناسباتِ الحالِ الخصوصياتُ التي يُبْحَثُ عنها فِي عِلْمِ المعاني دونَ كيفياتِ دلالةِ اللفظِ التي يَتَكَفَّلُ بها عِلْمُ البيانِ.
هذا ولا يُشْتَرَطُ مطابقتُهُ لجميعِ المقتضياتِ التي يَقْتَضِيهَا الحالُ، بلْ تَكْفِي مُطَابَقَتُهُ لِأَيِّ مُقْتَضًى منها, نَعَمْ إذا اقْتَضَى الحالُ شَيْئَيْنِ - كالتأكيدِ والتعريفِ مثلًا- فَرُوعِيَ أَحَدُهُمَا دونَ الآخَرِ كانَ الكلامُ بَلِيغًا مِن هذا الوجْهِ، وإذا رُوعِيَا معًاكانَ أَزْيَدَ بَلَاغَةً.
(16) (مع فصاحتِهِ) حالٌ من الضميرِ المجرورِ فِي مطابقتِهِ، فلابُدَّ مِن الفصاحةِ مُطْلَقًا, سواءً كانتْ معنويَّةً وهِيَ الخُلُوصُ مِن التعقيدِ المعنَوِيِّ, أو لفظيةً وهِيَ الخُلُوصُ من التنافُرِ والغرابَةِ وضعْفِ التأليفِ ومُخَالَفَةِ القياسِ.