الصفحة 19 من 177

مُرِيدًا [1] جَوَاسِيسَهُ، والصوابُ نَشَرَ عُيُونَهُ [2] ، وقولُهُ [3] :

سَأَطْلُبُ [4] بُعْدَ الدارِ [5] عَنْكُمْ [6] لِتَقْرُبُوا [7] ... وتَسْكُبُ [8] عَيْنَايَ [9] الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا [10]

حيثُ كَنَى بالجمودِ [11] عن [12] السرورِ [13] مع أنَّ الجمودَ [14] يُكْنَى بهِ عن البُخْلِ بالدموعِ وَقْتَ البكاءِ [15] .

(1) (مُرِيدًا) بقولِكَ (أَلْسِنَتَهُ) .

(2) (جَوَاسِيسَهُ، والصوابُ نَشَرَ عُيُونَهُ) لأنَّ الذي يُتَوَصَّلُ بهِ إلى الأخبارِ عادَةً إنَّمَا هو العيونُ, لا الأَلْسِنَةُ.

(3) (وقولُهُ) أي: عَبَاسِ بنِ الأَحْنَفِ مِن نُدَمَاءِ هارونَ الرشيدِ.

(4) (سَأَطْلُبُ) السينُ زائدةٌ للتوكيدِ.

(5) (بُعْدَ الدارِ) أي: بُعْدَ دَارِي.

(6) (عَنْكُمْ) وفيهِ إشارةٌ إلى أنَّهُ لا يَرْضَى بنسبةِ طَلَبِ البُعْدِ إلى دارِ المحبوبِ فَضْلًا عن نفسِهِ.

(7) (لِتَقْرُبُوا) المرادُ بالطَّلَبِ ارْتِكَابُ فِعْلِ الطالَبِ بإظهارِ عَدَمِ الضَّجَرِ الحاصلِ بالصبرِ وتَوْطِينِ النفْسِ على بُعْدِ الأَحِبَّةِ لِيَحْصُلَ عن ذلكَ قُرْبُهُمْ، ومعنى هذا الشَّطْرِ أَنِّي اليومَ أَطِيبُ نَفْسًا بالبُعْدِ وَالفُرَاقِ لِأَتَسَبَّبَ بذلكَ إلى القُرْبِ المُقْتَضِي للفرحِ والسرورِ.

(8) (وَتَسْكُبُ) بالرفعِ, كما هو الصحيحُ

(9) (عَيْنَايَ) بفتحِ ياءِ التَّكَلُّمِ.

(10) (الدموعَ لِتَجْمُدَا) ليسَ المرادُ الإخبارَ بِسَكْبِ عينَيْهِ للدموعِ؛ بل الإخبارُ بلازمِهِ وهو الحزْنُ والكآبَةُ فَكَأَنَّهُ قالَ: وَأُوَطِّنُ نَفْسِي على مُقَاسَاةِ الأحْزَانِ والكَآبَةِ لِأَتَسَبَّبَ بذلكَ إلى المَسَرَّةِ الدائِمَةِ.

فَجَعَلَ الشاعرُ سَكْبَ الدموعِ كنايةً عَمَّا يَلْزَمُهُ مِن الكآبةِ والحزنِ، وأصابَ فِي ذلكَ الجَعْلَ لسرعةِ فَهْمِ الحزنِ من سَكْبِ الدموعِ عُرْفًا، ولهذا يُقَالُ: أَبْكَاهُ الدَّهْرُ كنايةً عن كونِهِ أَحْزَنَهُ ولكنَّهُ أَخْطَأَ

(11) (حيثُ كَنَّى بالجمودِ) أي: جُمُودِ العينِ.

(12) (عن) ما يُوجِبُهُ التلاقِي مِن الفرحِ و

(13) (السرورِ) بِقُرْبِ أَحِبَّتِهِ؛ لأنَّهُ مخالفٌ لموارِدِ استعمالِ البُلَغَاءِ، وذلك لأنَّ الْجَارِيَ على اسْتِعْمَالِهِمْ إِنَّمَا هو الانتقالُ مِن جمودِ العينِ إلى بُخْلِهَا بالدموعِ وَقْتَ طَلَبِهِ منها كما اسْتُفِيدَ مِن قولِهِ.

(14) (مع أنَّ الجمودَ) أي: جمودَ العينِ ويُبْسَهَا.

(15) (يُكَنَّى بهِ عن البُخْلِ بالدموعِ وقتَ البكاءِ) وهو وقتُ الحزنِ على مُفَارَقَةِ الأَحِبَّةِ فهوَ الذي يُفْهَمُ مِن جمودِهَا بِسُرْعَةٍ لا دَوَامُ الفَرَحِ والسرورِ, كَمَا قَصَدَ الشاعرُ فإنَّهُ خَفِيٌّ بعيدٌ لا يُفْهَمُ من العبارةِ بسرعةٍ, بلْ يَحْتاجُ إلى وسائطَ بأنْ يُنْتَقَلَ من جمودِ العينِ بمعنَى جَفَافِهَا من الدموعِ عندَ إرادَتِهَا منها إلى انتفاءِ الدَّمْعِ منها حالَ إرادةِ البكاءِ، ومنهُ إلى انتفاءِ الدمعِ مُطْلَقًا، ومنهُ إلى انتفاءِ الحزنِ ونحوِهِ، ومنهُ إلى السرورِ، وبذلكَ يكونُ الكلامُ مُعَقَّدًاغيرَ فصيحٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت