بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [1]
الحَمْدُ للهِ الذي قَصَرَتْ [2] عِبَارَةُ البُلَغَاءِ [3] عن الإِحَاطَةِ [4] بِمَعَانِي آيَاتِهِ [5] ، وعَجَزَتْ [6] أَلْسُنُ الفصحاءِ عن بيانِ بدائعِ مَصْنُوعَاتِهِ [7] ، والصلاةُ والسلامُ على مَن مَلَكَ طَرَفَيِ البلاغةِ إِطْنَابًاوَإِيجَازًا [8] . وعلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الفَاتِحِينَ بِهَدْيِهِمْ [9] إلى [10] الحَقِيقَةِ [11] مَجَازًا [12] .
(1) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمِينَ على نِعْمَةِ الإيجادِ والإنشاءِ, والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَوْحَدِ الفُصَحَاءِ والبُلَغَاءِ, وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الذينَ هم لحقيقةِ كلامِهِ ومجازِهِ كُفَلَاءُ.
(( أَمَّا بَعْدُ ) )فقدْ عَهِدَتْ مدرسةُ دارِ العلومِ الدينيَّةِ سَنَةَ 1358 إليَّ تدريسَ كتابِ دروسِ البلاغةِ لأبناءِ السنةِ الرابعةِ من القِسْمِ الابْتِدَائِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ مِنِّي إِلَّا أنْ بَاشَرْتُ تَدْرِيسَهُ، فَكَتَبْتُ تَقْيِيدَاتٍ عَلَيْهِ، ثم رَأَيْتُ تَلْخِيصَهَا، فَجَعَلْتُهُ مَزْجًا لِيَكُونَ كَالشَّرْحِ لَهُ، وَسَمَّيْتُهُ (( حُسْنَ الصِّيَاغَةِ ) )، وَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أنْ يَنْفَعَ بِهِ مَن ابْتَدَأَ فِي علومِ البلاغةِ، وهو حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكِيلُ، وهذا أَوَانُ الشُّرُوعِ في المَقْصُودِ.
(1) (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا في فنِّ المعاني أنَّ مُقْتَضَى الحالِ تقديرُ المُتَعَلِّقِ مُتَأَخِّرًا؛ لإفادةِ الاهتمامِ باسمِهِ تعالى؛ لأنَّ المُقَامَ مُقَامُ استعانةٍ باللهِ، ولإفادةِ القصْرِ, وأيضًا مُقْتَضَى الحالِ قَطْعُ الرحمنِ الرحيمِ؛ لأنَّ المُقَامَ مُقَامُ ثَنَاءٍ، لكنَّ الواردَ في القرآنِ والسُّنَّةِ الإتْباعُ، فيكونُ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الحالِ؛ لِمَا في الإتْباعِ مِن الجَرْيِ على الأصلِ؛ إذ الأصلُ عَدَمُ القَطْعِ. ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بها في فَنِّ البيانِ أنَّ الباءَ حقيقةٌ في الإِلْصَاقِ، وهي هنا لِلِاسْتِعَانَةِ استعارةٌ تَبَعِيَّةٌ، تَقْرِيرُهَا أنْ يُقالَ: شَبَّهَ الارتباطَ على وجْهِ الاستعانةِ بالارتباطِ على وجْهِ الإلصاقِ بجامعِ مُطْلَقِ الارتباطِ في كُلٍّ، فَسَرَى التشبيهُ للجزئياتِ، فاسْتُعِيرَت الباءُ الموضوعةُ للإلصاقِ الجُزْئِيِّ لِلِاسْتِعَانَةِ الجُزْئِيَّةِ على طريقِ الاستعارةِ التَّبَعِيَّةِ. ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بها في فَنِّ البديعِ التَّوْرِيَةُ والقولُ بالمُوْجَبِ، فالأوَّلُ حيثُ أُطْلِقَت الرحمةُ وأُرِيدَ بها التَّفَضُّلُ والإحسانُ الذي هو معنًى بعيدٌ؛ لَأَنَّهُ مَجَازِيٌّ اعْتِمَادًاعلى قَرِينَةٍ خَفِيَّةٍ، وهي اسْتِحَالَةُ المعنى القريبِ الذي هو الرِّقَّةُ، والثاني هو سَوْقُ المعنى بدليلِهِ حيثُ إنَّها في قوةِ قولِنَا: لا أَبْتَدِئُ إلَّا باسمِ اللهِ لأنَّهُ الرحمنُ الرحيمُ.
(2) (الحمدُ للهِ الذي قَصَرَتْ) بِفَتْحِ الصادِ المُهْمَلَةِ, أي: عَجَزَتْ ونَقَصَتْ.
(3) (عبارةُ البلغاءِ) جمعُ بَلِيغٍ, وهو الفصيحُ طَلِقُ اللسانِ.
(4) (عن الإحاطةِ) إِفَادَةِ.
(5) (بمعاني آياتِهِ) أي: القرآنِ, أيْ: عن إفادةِ جميعِ معانيهِ الظاهرةِ ومَكْنُونَاتِهِ الخَفِيَّةِ.
(6) (وعَجَزَتْ) أي: ضَعُفَتْ.
(7) (أَلْسُنُ الفصحاءِ عن بيانِ بدائعِ مصنوعاتِهِ) أيْ: مخلوقاتِهِ, أيْ: عن الإتيانِ بكلامٍ فصيحٍ مُعْرِبٍ عن ذلك.
(8) (والصلاةُ والسلامُ على مَن مَلَكَ طَرَفَيِ البلاغةِ إطْنَابًاوإيجازًا) وهو نبيُّنَا محمدٌ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وقد قال: (أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا مِن قُرَيْشٍ، وَلِسَانِي لِسَانُ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هذا اللسانُ العربيُّ كَأَنَّ اللهَ عَزَّتْ قدرتُهُ مَخَضَهُ، وَأَلْقَى زُبْدَتَهُ على لسانِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما مِن خطيبٍ يُقَاوِمُهُ إلا نَكَصَ مُتَفَكِّكَ الرِّجْلِ، ومَا مِن مُصَقِّعٍ يُنَاهِزُهُ إِلَّا رَجَعَ فارِغَ السِّجِلِّ، انْتَهَى.
(9) (وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الفاتِحِينَ بِـ) سَبَبِ (هَدْيِهِمْ) أيْ: دَلَالَتِهِمْ.
(10) (إلى) الطريقِ المُوَصِّلِ
(11) لـ (الحقيقةِ) أي: حقيقةِ الأمْرِ، وهي توحيدُهُ تعالى وعبادتُهُ.
(12) (مَجَازًا) أي: طريقًايَسْلُكُهُ مَن بعدَهُم من التابعينَ إلى يومِ الدينِ، وفي هذا تلميحٌ إلى حديثِ:"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِم اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُمْ".