فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 42

وعليه فازْوَرَّ عن زَيْفِ الحضارةِ فإنه يُؤَنِّثُ الطِّباعَ ويُرْخِي الأعصابَ ويُقَيِّدُك بِخَيْطِ الأَوْهَامِ ويَصِلُ المُجِدُّونَ لغاياتِهم وأنتَ لم تَبْرَحْ مكَانكَ، مَشْغُولٌ بالتأَنُّقِ في مَلْبَسِكَ وإن كان منها شِيَاتٌ ليست مُحَرَّمَةً ولا مَكروهةً لكن ليست سَمْتًا صالحًا والحِلْيَةُ في الظاهرِ كاللِّباسِ عُنوانٌ على انتماءِ الشخصِ بل تَحديدٌ له، وهل اللِّباسُ إلا وَسيلةٌ من وسائلِ التعبيرِ عن الذاتِ؟!

فكُنْ حَذِرًا في لِباسِكَ؛ لأنه يُعَبِّرُ لغَيْرِكَ عن تَقْوِيمِك في الانتماءِ والتكوينِ والذوْقِ، ولهذا قِيلَ: الْحِلْيَةُ في الظاهِرِ تَدُلُّ على مَيْلٍ في الباطِنِ والناسُ يُصَنِّفُونَكَ من لِباسِك بل إنَّ كيفِيَّةَ اللُّبْسِ تُعْطِي للناظِرِ تَصنيفَ اللابسِ من: الرصانةِ والتعَقُّلِ أو التَّمَشْيُخِ والرَّهْبَنَةِ أو التصابِي وحُبِّ الظهورِ، فخُذْ من اللِّباسِ ما يَزينُك ولا يَشينُك ولا يَجْعَلْ فيكَ مَقالًا لقائلٍ ولا لَمْزًا لِلَامِزٍ، وإذا تلاقَى مَلْبَسُك وكيفيَّةُ لُبْسِك بما يَلتَقِي مع شَرَفِ ما تَحْمِلُه من العِلْمِ الشرعيِّ كان أَدْعَى لتعظيمِك والانتفاعِ بعلْمِك، بل بِحُسْنِ نِيَّتِك يكونُ قُرْبَةً إنه وسيلةٌ إلى هِدايةِ الْخَلْقِ للحَقِّ.

وفي المأثورِ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ عَنْهُ: (أَحَبُّ إليَّ أن أَنْظُرَ القارِئَ أبيضَ الثيابِ) .

أي: ليَعْظُمَ في نفوسِ الناسِ فيَعْظُمَ في نفوسِهم ما لَدَيْهِ من الْحَقِّ.

والناسُ - كما قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى - كأسرابِ الْقَطَا، مَجبولون على تَشَبُّهِ بعضِهم ببَعْضٍ.

فإيَّاكَ ثم إيَّاكَ من لِباسِ التصابِي، أمَّا اللِّباسُ الإفرنجيُّ فغَيرُ خافٍ عليك حُكْمُه، وليس معنى هذا أن تأتِيَ بلِباسٍ مُشَوَّهٍ لكنه الاقتصادُ في اللِّباسِ برَسْمِ الشرْعِ، تَحُفُّه بالسمْتِ الصالحِ والْهَدْيِ الْحَسَنِ.

وتَطْلُبُ دلائلَ ذلك في كتُبِ السنَّةِ والرِّقاقِ، لا سِيَّمَا في (الجامعِ) للخطيبِ.

ولا تَسْتَنْكِرْ هذه الإشارةَ فما زالَ أهلُ العِلْمِ يُنَبِّهُون على هذا في كُتُبِ الرِّقاقِ والآدابِ واللِّباسِ، واللهُ أَعْلَمُ.

الإعراضُ عن مَجَالِسِ اللَّغْوِ:

لا تَطَأْ بِساطَ مَن يَغْشُونَ في نادِيهم الْمُنْكَرَ، ويَهْتِكُون أستارَ الأَدَبِ مُتَغَابِيًا عن ذلك، فإنْ فعَلْتَ ذلك فإنَّ جِنايَتَكَ على العِلْمِ وأَهْلِه عظيمةٌ.

الإعراضُ عن الْهَيْشَاتِ:

التَّصَوُّنُ من اللَّغَطِ والْهَيْشَاتِ، فإنَّ الغَلَطَ تحتَ اللَّغَطِ، وهذا يُنافِي أَدَبَ الطَّلَبِ.

ومن لَطيفِ ما يُسْتَحْضَرُ هنا ما ذَكَرَه صاحبُ (الوَسيطِ في أُدباءِ شِنْقِيطَ) وعنه في (مُعْجَمِ الْمَعاجِمِ) .

(إنه وَقَعَ نِزاعٌ بينَ قَبيلتينِ، فسَعَتْ بينَهما قَبيلةٌ أُخرى في الصُّلْحِ فتَرَاضَوْا بِحُكْمِ الشرْعِ وحَكَّمُوا عالِمًا فاستَظْهَرَ قتلَ أربعةٍ من قبيلةٍ بأربعةٍ قُتِلُوا من القبيلةِ الأخرى، فقالَ الشيخُ بابُ بنُ أحمدَ: مثلُ هذا لا قِصاصَ فيه. فقالَ القاضي: إنَّ هذا لا يُوجَدُ في كتابٍ. فقالَ: بل لم يَخْلُ منه كتابٌ. فقالَ القاضي: هذا(القاموسُ) - يعني أنه يَدْخُلُ في عُمومِ كتابٍ -.

فتَنَاوَلَ صاحبُ الترجمةِ (القاموسَ) وَأَوَّلَ ما وَقَعَ نَظَرُه عليه: (والْهَيْشَةُ الفتنةُ وأمُّ حُبَيْنٍ وليس في الْهَيْشاتِ قَوَدٌ) أي: في القتيلِ في الفِتنةِ لا يُدْرَى قاتِلُه فتَعَجَّبَ الناسُ من مِثْلِ هذا الاستحضارِ في ذلك الموقِفِ الْحَرِجِ) اهـ ملَخَّصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت