فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 42

قالَ بعضُ أهلِ العلْمِ: هذه الثلاثُ لا تَجتمِعُ إلا للعالِمِ الباذِلِ لعِلْمِه فبَذْلُه صَدَقَةٌ، يُنْتَفَعُ بها، والْمُتَلَقِّي لها ابنٌ للعالِمِ في تَعَلُّمِه عليه، فاحْرِصْ على هذه الْحِلْيَةِ؛ فهي رأسُ ثَمرةِ عِلْمِكَ.

ولشَرَفِ العِلْمِ؛ فإنه يَزيدُ بكثرةِ الإنفاقِ، ويَنْقُصُ مع الإشفاقِ، وآفَتُه الكِتْمَانُ.

ولا تَحْمِلْكَ دَعْوَى فَسادِ الزمانِ، وغَلَبَةِ الفُسَّاقِ، وضَعْفِ إفادةِ النصيحةِ عن واجبِ الأداءِ والبَلاغِ، فإن فَعَلْتَ، فهي فِعْلَةٌ يَسوقُ عليها الفُسَّاقُ الذهَبَ الأحْمَرَ لِيَتِمَّ لهم الخروجُ على الفضيلةِ ورَفْعُ لواءِ الرَّذيلةِ.

46 -عِزَّةُ العُلماءِ:

التَّحَلِّي بـ (عِزَّةِ العُلَمَاءِ) : صيانةُ العِلْمِ وتَعظيمُه، وحمايةُ جَنابِ عِزِّه وشَرَفِه وبِقَدْرِ ما تَبْذُلُه في هذا يكونُ الكَسْبُ منه ومن العَمَلِ به، وبِقَدْرِ ما تُهْدِرُه يكونُ الفَوْتُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ العزيزِ الحكيمِ.

وعليه؛ فاحْذَرْ أن يَتَمَنْدَلَ بك الكُبراءُ، أو يَمْتَطِيَكَ السفهاءُ، فتُلَايِنَ في فَتْوَى أو قضاءٍ أو بَحْثٍ أو خِطابٍ.

ولا تَسْعَ به إلى أهلِ الدنيا، ولا تَقِفْ به على أَعتابِهم، ولا تَبْذُلْه إلى غيرِ أهلِه وإن عَظُمَ قَدْرُه.

ومَتِّعْ بَصَرَك وبَصِيرَتَكَ بقِراءةِ التراجِمِ والسيَرِ لأَئِمَّةٍ مَضَوْا، تَرَ فيها بَذْلَ النفْسِ في سبيلِ هذه الحمايةِ لا سِيَّمَا مَن جَمَع مُثُلًا في هذا؛ مثلَ كتابِ (من أخلاقِ العُلماءِ) لِمُحَمَّدٍ سليمانَ رَحِمَه اللهُ تعالى، وكتابِ (الإسلامِ بينَ العُلماءِ والحكَّامِ) لعبدِ العزيزِ البَدْرِيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى، وكتابِ (مَناهِجِ العُلماءِ في الأمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن الْمُنكَرِ) لفاروقٍ السامَرَّائيِّ.

وأرجو أن تَرى أضعافَ ما ذَكَرُوه في كتابِ (عِزَّةِ العُلَمَاءِ) يَسَّرَ اللهُ إتمامَه وطَبْعَه.

وقد كان العلماءُ يُلَقِّنُونَ طُلَّابَهُم حِفْظَ قصيدةِ الْجُرجانيِّ عليِّ بنِ عبدِ العزيزِ (م سنةَ 392 هـ) رَحِمَه الله تعالى كما نَجِدُها عندَ عددٍ من مُتَرْجِمِيهِ، ومَطْلَعُها.

يقولونَ لي فيك انقباضٌ وإنما

رَأَوْا رجُلًا عن مَوْضِعِ الذلِّ أَحْجَمَا

أرى الناسَ مَن داناهُم هانَ عِنْدَهمْ

ومَن أَكرَمَتْهُ عِزَّةُ النفْسِ أُكْرِمَا

ولو أنَّ أهلَ العلْمِ صانُوه صانَهُمْ

ولو عَظَّمُوه في النفوسِ لعَظَّمَا

(لعَظَّمَا) بفتحِ الظاءِ المعجَمَةِ الْمُشالَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت