فهرس الكتاب
47 -صِيانةُ العِلْمِ:
إن بَلَغْتَ مَنْصِبًا فتَذَكَّرْ أنَّ حَبْلَ الوَصْلِ إليه طَلَبُكَ للعِلْمِ، فبِفَضْلِ اللهِ ثم بسببِ عِلْمِك بلَغْتَ ما بَلَغْتَ من وَلايةٍ في التعليمِ، أو الفُتْيَا أو القضاءِ ... وهكذا فأَعْطِ العِلْمَ قَدْرَه وحَظَّهُ من العمَلِ به وإنزالَه مَنْزِلَتَهُ.
واحْذَرْ مَسْلَكَ مَن لا يَرْجُونَ للهِ وَقَارًا، الذين يَجْعَلون الأساسَ (حِفْظَ الْمَنْصِبِ) فيَطْوُونَ أَلْسِنَتَهُم عن قولِ الحَقِّ، ويحملُهم حُبُّ الوَلايةِ على الْمُجَارَاةِ.
فالْزَمْ - رَحِمَكَ اللهُ - المحافَظَةَ على قِيمَتِكَ بحِفْظِ دِينِك، وعِلْمِك وشَرَفِ نفسِكَ، بحِكْمَةٍ ودِرايةٍ وحُسْنِ سِياسةٍ: (احْفَظْ اللهَ يَحْفَظْكَ) (احْفَظِ اللهَ في الرخاءِ يَحْفَظْكَ في الشدَّةِ ... ) .
وإن أَصْبَحْتَ عاطلًا من قِلادةِ الوِلايةِ - وهذا سبيلُك ولو بعدَ حينٍ - فلا بأسَ؛ فإنه عَزْلُ مَحْمَدَةٍ لا عَزْلُ مَذَمَّةٍ ومَنْقَصَةٍ.
ومن العجيبِ أنَّ بعضَ مَن حُرِمَ قَصْدًا كبيرًا من التوفيقِ لا يكونُ عندَه الالتزامُ والإنابةُ والرجوعُ إلى اللهِ إلا بعدَ (التقاعُدِ) ، فهذا وإن كانت تَوبَتُه شرعيَّةً؛ لكن دِينَه ودِينَ العجائزِ سواءٌ، إذ لا يَتَعَدَّى نَفْعُه، أمَّا وَقْتُ وِلايتِه حالَ الحاجةِ إلى تَعَدِّي نَفْعِه؛ فتَجِدُه من أَعْظَمِ الناسِ فُجورًا وَضَرَرًا، أو باردَ القلْبِ أَخْرَسَ اللسانِ عن الْحَقِّ.
فنَعوذُ باللهِ من الْخِذلانِ.
48 -الْمُداراةُ لا الْمُداهَنَةُ:
الْمُداهَنَةُ خُلُقٌ مُنْحَطٌّ، أمَّا الْمُدارَاةُ فلا، لكن لا تَخْلِطْ بينَهما فتَحْمِلَك المداهَنَةُ إلى حَضَارِ النفاقِ مُجاهَرَةً، والْمُداهَنَةُ هي التي تَمَسُّ دِينَك.
49 -الغَرامُ بالْكُتُبِ:
شرَفُ العِلْمِ معلومٌ لعُمومِ نَفْعِه، وشِدَّةُ الحاجةِ إليه كحاجةِ البَدَنِ إلى الأنفاسِ، وظهورُ النقْصِ بقَدْرِ نقْصِه، وحصولُ اللذةِ والسرورِ بقَدْرِ تحصيلِه، ولهذا اشْتَدَّ غَرامُ الطُّلَّابِ بالطلَبِ، والغَرامُ بجَمْعِ الكُتُبِ مع الانتقاءِ، ولهم أَخبارٌ في هذا تَطُولُ، وفيه مُقَيَّدَاتٌ في (خبرِ الكِتابِ) يَسَّرَ اللهُ إتمامَه وطَبْعَهُ.
وعليه، فأَحْرِز الأصولَ من الكُتُبِ، واعْلَمْ أنه لا يُغْنِي منها كتابٌ عن كتابٍ ولا تَحْشُرْ مَكتَبَتَكَ وتُشَوِّشْ على فِكْرِك بالكُتُبِ الغُثَائِيَّةِ، لا سِيَّمَا كُتبَ المبتدِعَةِ؛ فإنها سُمٌّ ناقعٌ.
50 -قِوامُ مَكتَبَتِكَ:
عليك بالكُتُبِ الْمَنسوجَةِ على طريقةِ الاستدلالِ، والتَّفَقُّهِ في عِلَلِ الأحكامِ، والغَوْصِ على أسرارِ المسائلِ، ومن أَجَلِّها كتُبُ الشيخينِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَه اللهُ تعالى، وتِلميذِه ابنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ رَحِمَه اللهُ تعالى، وعلى الجادَّةِ في ذلك من قَبْلُ ومن بعدُ كُتُبُ:
الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ (م سنة 463 هـ) رَحِمَه اللهُ تعالى، وأَجَلُّ كُتُبِه (التمهيدُ) .
الحافظُ ابنُ قُدامَةَ (م سنة 620 هـ) رَحِمَه اللهُ تعالى، وأَرْأَسُ كُتُبِه (الْمُغْنِي) .