العلْمُ حربٌ للفَتَى الْمُتَعَالِي
كالسيْلِ حرْبٌ للمكانِ الْعَالِي
فالْزَمْ - رَحِمَك اللهُ - اللُّصُوقَ إلى الأرضِ والإزراءَ على نفسِك وهَضْمَها ومُراغَمَتَها عندَ الاستشرافِ لكِبرياءَ أو غَطرسةٍ أو حُبِّ ظُهورٍ أو عُجْبٍ ... ونحوِ ذلك من آفاتِ العِلْمِ القاتلةِ له الْمُذهِبَةِ لِهَيْبَتِه الْمُطْفَئِةِ لنورِه وكُلَّمَا ازْدَدْتَ عِلْمًا أو رِفعةً في وِلايةٍ فالزَمْ ذلك، تُحْرِزْ سعادةً عُظْمَى، ومَقامًا يَغْبِطُكَ عليه الناسُ.
وعن عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ الحُجَّةِ الراويةِ في الكتُبِ الستَّةِ بكرِ بنِ عبدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ رَحِمَهما اللهُ تعالى قالَ:
(سَمِعْتُ إنسانًا يُحَدِّثُ عن أبي، أنه كان واقفًا بعَرَفَةَ فَرَقَّ، فقالَ: لولا أَنِّي فيهم، لقُلْتُ قد غُفِرَ لهم) .
خَرَّجَه الذهبيُّ ثم قالَ: (قلتُ: كذلك يَنبغِي للعبْدِ أن يُزْرِيَ على نفسِه ويَهْضِمَها) اهـ.
القناعةُ والزَّهادةُ:
التَّحَلِّي بالقَناعةِ والزَّهادةِ، وحقيقةُ الزهْدِ (الزهْدُ بالحرامِ والابتعادُ عن حِمَاهُ، بالكَفِّ عن الْمُشتَبِهَاتِ وعن التَّطَلُّعِ إلى ما في أيدي الناسِ) .
ويُؤْثَرُ عن الإمامِ الشافعيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى: (لو أَوْصَى إنسانٌ لأَعْقَلِ الناسِ صُرِفَ إلى الزهَّادِ) وعن مُحَمَّدِ بنِ الحسَنِ الشيبانيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى لَمَّا قِيلَ له: أَلَا تُصَنِّفُ كتابًا في الزهْدِ؟ قال: (قد صَنَّفْتُ كِتابًا في البُيوعِ) .
يعني: (الزاهدُ مَن يَتَحَرَّزُ عن الشُّبُهاتِ والمكروهاتِ في التجاراتِ وكذلك في سائرِ الْمُعاملاتِ والْحِرَفِ) اهـ.
وعليه فليكنْ مُعْتَدِلًا في مَعاشِه بما لا يُشِينُه بحيثُ يَصونُ نفسَه ومَن يَعولُ ولا يَرِدُ مَواطِنَ الذلَّةِ والْهُونِ.
وقد كان شيخُنا مُحَمَّدٌ الأمينُ الشِّنقيطيُّ الْمُتَوَفَّى في 17/ 12/1393 هـ رَحِمَه اللهُ تعالى متَقَلِّلًا من الدنيا وقد شاهَدْتُه لا يَعرِفُ فِئاتِ العُملةِ الوَرَقِيَّةِ وقد شافَهَنِي بقولِه:
(لقد جِئْتُ من البلادِ - شِنقيطَ - ومعي كَنْزٌ قلَّ أن يُوجدَ عندَ أحدٍ وهو(القَناعةُ) ، ولو أرَدْتُ المناصِبَ لعَرَفْتُ الطريقَ إليها ولكني لا أُؤْثِرُ الدنيا على الآخِرةِ ولا أَبْذُلُ العلْمَ لنَيْلِ المآرِبِ الدُّنيويَّةِ) فرَحِمَه اللهُ تَعَالَى رَحمةً واسعةً آمِينَ.
التَّحَلِّي برَوْنَقِ العِلْمِ:
التَّحَلِّي بـ (رَوْنَقِ العِلْمِ) حُسْنِ السمْتِ، والْهَدْيِ الصالحِ، من دَوامِ السكينةِ والوَقارِ والخشوعِ والتواضُعِ ولزومِ الْمَحَجَّةِ بعِمارةِ الظاهِرِ والباطنِ والتَّخَلِّي عن نواقِضِها.
وعن ابنِ سيرينَ رَحِمَه اللهُ تعالى قالَ:
(كَانُوا يَتَعَلَّمُون الْهَدْيَ كما يَتَعَلَّمُون العِلْمَ) وعن رجاءِ بنِ حَيْوَةَ رَحِمَه اللهُ تعالى أنه قالَ لرَجُلٍ:
(حَدِّثْنَا، ولا تُحَدِّثْنا عن مُتَمَاوِتٍ ولا طَعَّانٍ) رواهما الخطيبُ في (الجامِعِ) وقالَ: