وبلاغةُ المتكلِّمِ: مَلَكَةٌ يُقتَدَرُ بها على التعبيرِ عن المقصودِ بكلامٍ بليغٍ، في أيٍّ غَرَضٍ كانَ.
ويُعرَفُ التنافرُ بالذَّوْقِ، ومخالَفَةُ القِياسِ بالصرْفِ، وضَعْفُ التأليفِ والتعقيدُ اللفظيُّ بالنحْوِ، والغرابةُ بكثرةِ الاطِّلاعِ على كلامِ العربِ، والتعقيدُ المعنويُّ بالبيانِ، والأحوالُ ومقتضياتُها بالمعانِي.
فوَجَبَ على طالبِ البلاغةِ معرفةُ اللغةِ والصرْفِ والنحوِ والمعاني والبيانِ، معَ كونِه سليمَ الذوقِ، كثيرَ الاطِّلاعِ على كلامِ العرَبِ.
علْمُ المعانِي
هوَ علْمٌ يُعرفُ بهِ أحوالُ اللفظِ العربيِّ التي بها يُطَابِقُ مُقْتَضَى الحالِ، فتَختلِفُ صُوَرُ الكلامِ لاختلافِ الأحوالِ. مثالُ ذلكَ قولُه تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} ، فإنَّ ما قَبْلَ (أمْ) صورةٌ من الكلامِ تُخالِفُ صورةَ ما بعدَها؛ لأنَّ الأُولى فيها فعْلُ الإرادةِ مبنيٌّ للمجهولِ، والثانيةَ فيها فِعْلُ الإرادةِ مبنيٌّ للمعلومِ، والحالُ الداعي لذلكَ نسبةُ الخيرِ إليهِ سبحانَهُ في الثانيةِ، ومَنْعُ نِسبةِ الشرِّ إليه في الأُولى.
وينحصرُ الكلامُ هنا على هذا العلمِ في ستَّةِ أبوابٍ.
البابُ الأوَّلُ
في الخبرِ والإنشاءِ
كلُّ كلامٍ فهوَ إمَّا خبرٌ أوْ إِنشاءٌ.
والخبرُ ما يَصِحُّ أنْ يُقالَ لقائلِه: إنَّهُ صادقٌ فيهِ أوْ كاذِبٌ، كـ (سافرَ محمَّدٌ) و (عليٌّ مُقِيمٌ) .
والإنشاءُ ما لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لقائلِه ذلكَ، كـ (سافِرْ يا محمَّدُ) ، و (أَقِمْ يا عليُّ) .
والمرادُ بصِدْقِ الخبَرِ مطابقتُه للواقعِ، وبكذِبِه عدمُ مطابقتِه له.
فجملةُ: (عليٌّ مقيمٌ) ، إنْ كانت النِّسبةُ المفهومةُ منها مطابِقةً لما في الخارجِ فصِدْقٌ، وإلَّا فكَذِبٌ.
ولكلِّ جملةٍ رُكنانِ: محكومٌ عليه، ومحكومٌ به.
ويُسمَّى الأوَّلُ مسْنَدًا إليه، كالفاعلِ ونائبِه، والمبتدأِ الذي لهُ خَبَرٌ. ويُسمَّى الثاني مُسْنَدًا، كالفعْلِ والمبتدأِ المكتفي بمرفوعِه.
الكلامُ على الخبرِ
الخبرُ إمَّا أنْ يكونَ جملةً فِعْلِيَّةً أو اسْمِيَّةً.
فالأُولى موضوعةٌ لإفادةِ الحدوثِ في زمنٍ مخصوصٍ، معَ الاختصارِ.
وقدْ تُفيدُ الاستمرارَ التَّجدُّديَّ بالقرائنِ، إذا كان الفعْلُ مضارعًا، كقولِ طريفٍ:
أَوَكلَّما وَرَدَتْ عُكَاظَ قبيلةٌ ... بعثُوا إليَّ عَرِيفَهُمْ يتوَسَّمُ
والثانيةُ موضوعةٌ لمجرَّدِ ثبوتِ المسنَدِ للمسنَدِ إليه، نحوَ: (الشمسُ مُضِيئَةٌ) . وقدْ تُفيدُ الاستمرارَ بالقرائنِ إذا لمْ يكُنْ في خبرِها فِعْلٌ، نحوَ: (العلْمُ نافعٌ) .
والأصْلُ في الخبَرِ أنْ يُلْقَى لإفادةِ المخاطَبِ الحكْمَ الذي تَضمَّنَتْهُ الجملةُ، كما في قولِنا: (حَضَرَ الأميرُ) ، أوْ لإفادةِ أنَّ المتكلِّمَ عالِمٌ به، نحوَ: (أنتَ حَضَرْتَ أمسِ) . ويُسَمَّى الحكْمُ فائدةَ الخبَرِ، وكونُ المتكلِّمِ عالِمًا بهِ لازِمَ الفائدةِ.
وقدْ يُلْقَى الخبَرُ لأغراضٍ أُخرى:
1 -كالاسترحامِ، في قولِ موسى عليهِ السلامُ: {رَبِّي إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} .
2 -وإظهارِ الضَّعْفِ، في قولِ زكريَّا عليهِ السلامُ: {رَبِّي إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} .
3 -وإظهارِ التحَسُّرِ، في قولِ امرأةِ عِمرانَ: {رَبِّي إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} .