الصفحة 12 من 15

رواية قيس عن عائشة على مذهب أبي حاتم

شَرْطُ أبي حاتم في الاتصال أَضْيَقُ مِن شَرْطِ البخاري كما ذكرنا، فهل رواية قيس عن عائشة رضي الله عنها يُحكم لها بالاتصال على وفق مذهبه؟ والجواب: لا، فسماع قيس مِن عائشة لا يثبت.

> هل أدركها قيس؟ نعم أدركها، فهما متعاصِران.

> هل أدخل بينه وبينها واسطة؟ نعم، فقد رَوى عنها بواسطةِ أبي سهلة مولى عثمان رضي الله عنه وامرأةٍ مبهمة وامرأتِه في رواية.

> هل ذكر سماعًا مِنها؟ لَمْ يَذكر، بل روى عنها على سبيل القصة دون صيغة أداء.

فرواية قيس عن عائشة ليست على شرط أبي حاتم في الاتصال بل هي مرسلة.

تصريح أبي حاتم بإرسال قيس عن عائشة

الحديث الرابع المذكور آنفًا أعَلَّه أبو حاتم بالإرسال، ووَهَّمَ مَن أدخل فيه ابنَ مسعود. قال ابن أبي حاتم [علل الحديث 1328] : وسمعتُ أبي وحدثنا، عن حرملة، عن ابن وهب، عن علي بن عابس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله قال: كان على عائشة مُحَرَّرٌ مِن ولد إسماعيل. فقدم عليه سَبْيُ بلعنبر، فأمرها النبي r أن تعتق منهنَّ، وقال: «مَن كان عليه مُحَرَّرٌ مِن ولد إسماعيل، فلا يعتق مِن حمير أحدًا» .

قال أبي: «هذا خطأ، ليس فيه ابن مسعود. إنما هو مرسَل» . اهـ

قلتُ: ويؤخذ مِن قول أبي حاتم هنا أمور:

-أنَّ هذا الحديث لَمْ يسمعه قيس مِن ابن مسعود، وإنما وهم بعضُ الرواة وأسنده عنه.

-أنَّ الصواب في سند هذا الحديث هو: عن قيس بن أبي حازم قال: كان على عائشة.

-أنَّ قيسًا يحكي عن قصة عائشة لا أنه يروي عنها.

-أنَّ الحديث بهذا السند مرسلٌ ليس بمتصل.

والسؤال هنا: ما هو السبب الذي جَعَلَ أبا حاتم يحكم على هذا الحديث بالإرسال؟ هل فقط عدم إدراك قيس للقصة؟ أم روايته لقصة عائشة دون ذِكر السماع؟ أمَّا عدم الإدراك فهذا ظاهر، فقيس هنا يقُصُّ قصةً حدثت في عهد النبي r لَمْ يعاصرها. إذن فلماذا لا يكون الإرسالُ خاصًا بهذا الحديث عينه؟ والجواب فيما قدَّمْنا له مِن مذهب أبي حاتم في السماع، إذ ثبوتُ معاصرةِ قيسٍ لأم المؤمنين عائشة لا يُثبت له اتصالَ روايته عنها: فإنه يروي قصَّتها ولا يذكر سماعًا لا في هذا الحديث ولا في غيره. وبالنظر إلى شرط أبي حاتم في الاتصال، تبيَّن أن حديثه عنها ليس على شرطه. فصار ذِكرُه للإرسال هنا عاضدًا لانقطاع رواية قيس عن عائشة.

وقد ذهب بعضُ الإخوة إلى أنَّ هذا الحديث فقط هو المرسل، وأمَّا باقي أحاديث قيس عن عائشة فمتصلة. ودليله في ذلك أنَّ أبا حاتم حَكَم على أحد أحاديث عطاء بن أبي رباح عن عائشة بالإرسال، مع أنه سمع مِنها وروايته عنها في الصحيح. قال ابن أبي حاتم [علل الحديث 880] : وسألتُ أبي عن حديثٍ رواه أبو ثور، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة: أن النبي r قال لها: «طوافُكِ بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيكِ لحَجِّك وعمرتك» . قال سفيان: يعني بعد المعرَّف. قال أبي: «هكذا حدثَنا به أبو ثور موصلًا. وحدثنا عليُّ بن هاشم بن مرزوق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء: أن النبي r قال لعائشة، مرسلًا. ومرسلًا أصح» . اهـ

والجواب: أنَّ أبا حاتم لَمْ يَقُلْ إنَّ عطاء رواه عن عائشة مرسلًا، بل نَصَّ صراحةً على أنَّ عطاء إنما أرسله عن النبي r ولَمْ يُسنده عن عائشة. فهذا الحديث إذن مِن مراسيل عطاء بن أبي رباح، وعائشةُ لا ناقة لها ولا جمل فيه. وليس في إعلالِ أبي حاتم هذا الحديثَ نَفْيٌ لسماع عطاء مِن عائشة، فسماع عطاء مِنها ثابتٌ عنده [الجرح والتعديل 6/ 330] ، وإنما فيه تنبيهٌ على أنَّ هذا الحديث ليس مِن مسندها. فهنا وقع اختلافٌ في الرواية بين العنعنة عن عائشة والإرسال عن النبي r، وصوَّب أبو حاتم الإرسال. ولا علاقة لهذا برواية قيس عن عائشة، فهي مرسلةٌ ليس فيها سماعٌ ولا عنعنةٌ ولا تأنين! فمقارنةُ ما يرويه قيس عن عائشة بما يرويه عطاء عن عائشة لا تستقيم لِتَفاوُتِ كلتا الروايتين عند أبي حاتم. والله أعلى وأعلم

رد مع اقتباس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت