الصفحة 11 من 15

ثبوت المعاصرة وعدم ثبوت السماع

إذا رَوَى راوٍ عن آخَر معاصرٍ له ولم يذكر سماعًا مِنه، فهل حديثه عند أبي حاتم متصلٌ أم مرسل؟ الجواب ينقله لنا ابنُ أبي حاتم، فقد قال [المراسيل 187] : «سمعتُ أبي وسألتُه عن خالد بن معدان عن أبي هريرة: متصل؟ فقال: قد أَدْرَكَ أبا هريرة ولا يَذكر سماعًا» . اهـ وقال في المطلب بن عبد الله بن حنطب [المراسيل 780] : «ورَوى عن ابن عباس وابن عمر لا ندري سمع مِنهما أم لا، لا يَذكر الخبر» . اهـ ثم سأله ابنُه مرةً أخرى [المراسيل 781] : «المطلب سمع مِن ابن عباس؟ قال: نرى أنه لَمْ يسمع مِنه» . اهـ وقال أيضًا [المراسيل 764] : «مجاهد أدرك عليًا، لا يَذكر رؤيةً ولا سماعًا» . اهـ وقال أيضًا [المراسيل 703] : «الزهريُّ لَمْ يسمع مِن أبان بن عثمان شيئًا، لا لأنه لَمْ يُدركه! قد أدركه وأدرك مَن هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع مِنه. كما أنَّ حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع مِن عروة بن الزبير، وهو قد سمع مِمَّن هو أكبر منه. غير أنَّ أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيءٍ يكون حُجَّة» . اهـ

قلتُ: فهذا صريحُ مذهبِه أنَّ ثبوت المعاصرة مِن غير ثبوت السماع لا يُعَدُّ اتصالًا.

ثبوت الرؤية وعدم ثبوت السماع

قال أبو حاتم [المراسيل 526] : «لَمْ يسمع أبو إسحاق مِن ابن عمر، إنما رآه رؤية» . اهـ وقال أيضًا [المراسيل 529] : «أبو إسحاق الهمداني قد رأى حجر بن عدي، ولا أعلم سمع مِنه» . اهـ وقال أيضًا [المراسيل 706] : «الزهريُّ لَمْ يصح سماعه مِن ابن عمر، رآه ولم يسمع منه. ورأى عبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه» . اهـ وقال أيضًا [المراسيل 909] : «جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك ولَم يسمعوا مِنه، مِنهم يحيى بن أبي كثير» . اهـ قال ابن رجب الحنبلي بعد أن ذَكَرَ كلامَ أبي حاتم وغيرِه في رواية يحيى بن أبي كثير عن أنس [شرح علل الترمذي 2/ 590] : «ولَمْ يَجعلوا روايته عنه متصلةً بمجرد الرؤية، والرؤيةُ أَبْلَغُ مِن إمكان اللقي» . اهـ قلتُ: فهذا صريحُ مذهبِه أنَّ ثبوت الرؤية مِن غير ثبوت السماع لا يُعَدُّ اتصالًا.

إدخال الواسطة

يتأكَّد الإرسالُ عند أبي حاتم إذا أَدْخَلَ الراوي بينه وبين مَن يروي عنه واسطةً، فيكون إدخالُ الواسطة مع عدم ذِكْر السماع دليلًا على الإرسال. قال ابن أبي حاتم [العلل 1994] : وسألتُ أبي عن حديثٍ رواه وكيع، عن محمد بن قيس، عن أبي الضحى، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، كان له أجره» الحديث. ورواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى مسلم، عن عبد الرحمن بن هلال العبسي، عن جرير، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبي: «كنتُ أظنُّ أنَّ أبا الضحى قد لقي جريرًا، فإذا رواية الأعمش تدلُّ على أنه لم يسمع منه! وحديث الأعمش قد أَفْسَدَ حديثَ محمدِ بن قيس» . اهـ قلتُ: فاستدلَّ بوجود الواسطة على عدم السماع. ومِن أمثلة ذلك في كلامه:

> قال [المراسيل 224] : «زيد بن أسلم عن أبي سعيد مرسلٌ، يدخل بينهما عطاء بن يسار» . اهـ

> وقال أيضًا [المراسيل 324] : «شهر بن حوشب لم يسمع مِن عمرو بن عبسة، إنما يُحَدِّث عن أبي ظبية، عن عمرو بن عبسة» . اهـ

> وقال أيضًا [المراسيل 562] : «عمارة بن القعقاع عن ابن مسعود ليس بمتصل، بينهما رجل» . اهـ

> وقال أيضًا [المراسيل 591] : «والشعبي عن عائشة مرسل، إنما يُحَدِّث عن مسروق عن عائشة» . اهـ

> وقال أيضًا [المراسيل 594] : «لا أدري سمع الشعبي مِن سمرة أم لا، لأنه أُدْخل بينه وبينه رجل» . اهـ

> وقال أيضًا [المراسيل 637] : «قتادة عن أبي الأحوص مرسل، بينهما مورق» . اهـ

> وقال أيضًا [المراسيل 758] : «مجاهد عن معاوية مرسل، بين مجاهد وبين معاوية رجلٌ، ليس بمتصل» . اهـ

> وقال أيضًا [المراسيل 807] : «مسلم بن أبي مريم عن ابن عمر ليس بمتصل، إنما يدخل بينهما علي بن عبد الرحمن المعاوي» . اهـ

ومَن تَتَبَّع ذلك وَقَفَ على الشيء الكثير. قال ابن رجب [شرح علل الترمذي 2/ 593] : «فإن كان الثقةُ يَروي عمَّن عاصره أحيانًا ولَمْ يَثْبُتْ لُقِيُّه له، ثُمَّ يُدخل أحيانًا بينه وبينه واسطةً، فهذا يَستدلُّ به هؤلاء الأئمة على عدم السماع مِنه» . اهـ

شرط الاتصال عند أبي حاتم

رأيتَ كيف استدلَّ أبو حاتم بعدم ذِكر السماع وبإدخال الواسطة على عدم اتصال الرواية، هذا مع كون بعض الرواة قد أدركوا مَن يروون عنهم وثبتت لبعضهم الرؤية. وقد نَصَّ أبو حاتم في أحد المواضع على هذه الشروط صراحةً، وذلك حين تكلَّم في رواية يحيى بن أبي كثير عن عروة. يقول [المراسيل 904] : «يحيى بن أبي كثير ما أراه سمع مِن عروة بن الزبير: لأنه يُدخِل بينه وبينه رجلًا أو رجلَين، ولا يَذكر سماعًا ولا رؤيةً ولا سؤالَه عن مسألةٍ» . اهـ ومعنى هذا أنَّ الراوى إذا ذَكَرَ سماعًا ولو في حديثٍ واحدٍ، صار لاتصالِ روايته وجهٌ. وكذا إذا ذكر أنه رآى مَن يَروي عنه أو سأله أو ذكر ما يَدُلُّ على اتصاله به، فهذا مِمَّا يجعل حديثه عنه متصلًا. فإن لَمْ تتوفر هذه الشروط في حديث الراوي، صار عند أبي حاتم مرسلًا ليس بمتصل. وهذا الشرط أَضْيَقُ مِن شرط البخاري كما ترى.

وقد نبَّه على هذا المعنى ابنُ رجب الحنبلي فقال [شرح علل الترمذي 2/ 592] : «فَدَلَّ كلامُ أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم على أنَّ الاتصال لا يثبت إلاَّ بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أَضْيَقُ مِن قول ابن المديني والبخاري» . اهـ ثم قال [شرح علل الترمذي 2/ 595] : «وكلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في هذا المعنى كثيرٌ جدًا يَطُول الكتابُ بذكره، وكلُّه يدور على أنَّ مجرد ثبوت الرؤية لا يكفي في ثبوت السماع. وأنَّ السماع لا يثبت بدون التصريح به. وأنَّ رواية مَن رَوى عمَّن عاصره تارةً بواسطةٍ وتارةً بغير واسطة، يَدُلُّ على أنه لم يسمع مِنه، إلاَّ أن يثبت له السماع مِنه مِن وجه» . اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت