الصفحة 86 من 94

(فصلٌ) فإن عُدِمَ ذلك رَجَعَ إلى ما يَتناولُه الاسمُ، وهو ثلاثةٌ: (شرعيٌّ) و (حقيقيٌّ) و (عُرْفِيٌّ) . فالشرعيُّ: ما له مَوضوعٌ في الشرْعِ وموضوعٌ في اللغةِ، فالمطلَقُ يَنصرِفُ إلى الموضوعِ الشرعيِّ الصحيحِ، فإذا حَلَفَ لا يَبيعُ أو لا يَنْكِحُ فعَقَدَ عقدًا فاسدًا لم يَحْنَثْ، وإن قَيَّدَ يمينَه بما يَمْنَعُ الصحَّةَ كأَن حَلَفَ لا يَبيعُ الْخَمْرَ أو الحُرَّ حَنِثَ بصورةِ العَقْدِ.

والحقيقيُّ: هو الذي لم يَغْلِبْ مَجازُه على حقيقتِه كاللحمِ، فإن حَلَفَ لا يَأكلُ اللحمَ فأَكَلَ شَحْمًا أو مُخًّا أو كَبِدًا، ونحوَه لم يَحْنَثْ، وإن حَلَفَ لا يَأكُلُ أَدَمًا حَنِثَ بأَكْلِ البيضِ والتمرِ والْمِلحِ والزيتونِ ونحوِه وكلِّ ما يُصْطَبَغُ به، ولا يَلبَسُ شيئًا فلَبِسَ ثوبًا أو دِرْعًا أو جَوْشَنًا أو نَعْلًا حَنِثَ، وإن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ إنسانًا حَنِثَ بكلامِ كلِّ إنسانٍ، ولا يَفعلُ شيئًا فوَكَّلَ مَن فَعَلَه حَنِثَ، إلا أن يَنْوِيَ مُباشَرَتَه بنفسِه.

والعرفيُّ: ما اشْتَهَرَ مَجازُه فغَلَبَ الحقيقةَ كالراويةِ والغائطِ ونحوِهما، فتَتَعَلَّقُ اليمينُ بالعُرْفِ، فإذا حَلَفَ على وَطْءِ زوجتِه أو وَطْءِ دارٍ تَعَلَّقَتْ يمينُه بجِمَاعِها وبدخولِ الدارِ، وإن حَلَفَ لا يأكُلُ شَيْئًا فأَكَلَه مستَهْلَكًا في غيرِه كمَنْ حَلَفَ لا يأكلُ سَمْنًا فأَكَلَ خَبيصًا فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، أو لا يَأكُلُ بيضًا فأَكَلَ ناطفًا لم يَحْنَثْ، وإن ظَهَرَ طعمُ شيءٍ من المحلوفِ عليه حَنِثَ.

(فصلٌ) وإن حَلَفَ لا يَفعلُ شيئًا ككلامِ زيدٍ ودخولِ دارٍ ونحوِه ففَعَلَه مُكْرَهًا لم يَحْنَثْ، وإن حَلَفَ على نفسِه أو غيرِه مِمَّن يَقْصِدُ مَنْعَه كالزوجةِ والولدِ , أن لا يَفعلَ شيئًا ففَعلَه ناسيًا أو جاهلًا حَنِثَ , في الطلاقِ والعَتاقِ فقطْ، أو على مَن لا يَمتنِعُ بيمينِه من سُلطانٍ وغيرِه ففَعَلَه حَنِثَ مُطْلَقًا، وإن فَعَلَ هو أو غيرُه ممن قَصَدَ مَنْعَه بعضَ ما حَلَفَ على كلِّه لم يَحْنَثْ ما لم تكنْ له نِيَّةٌ.

بابُ النَّذْرِ

لا يَصِحُّ إلا مِن بالغٍ عاقلٍ ولو كافرًا، و (الصحيحُ) من خمسةِ أقسامٍ:

(المطلَقُ) مثلَ أن يَقولَ:"للهِ عليَّ نَذْرٌ"ولم يُسَمِّ شيئًا فيَلزَمُه كَفَّارَةُ يَمينٍ.

الثاني (نَذْرُ اللَّجاجِ والغضَبِ) وهو تَعليقُ نَذْرِه بشرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ منه أو الْحَمْلَ عليه أو التصديقَ أو التكذيبَ، فيُخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وبينَ كَفَّارَةِ يمينٍ.

الثالثُ (نذْرُ المباحِ) كلُبْسِ ثوبِه وركوبِ دابَّتِه , فحُكْمُه كالثاني، وإن نَذَرَ مَكروهًا من طلاقٍ أو غيرِه استُحِبَّ التكفيرُ ولا يَفعلُه.

الرابعُ (نَذْرُ المعصيةِ) كشُربِ خَمْرٍ وصومِ يومِ الحيضِ والنحرِ , فلا يَجوزُ الوَفاءُ به ويُكَفِّرُ.

الخامسُ (نَذْرُ التَّبَرُّرِ) مُطْلَقًا أو معَلَّقًا، كفِعلِ الصلاةِ والصيامِ والحَجِّ ونحوِه , كقولِه:"إن شَفَى اللهُ مَرِيضِي أو سَلِمَ مالي الغائبُ فللهِ علَيَّ كذا"فوُجِدَ الشرطُ لزَمِهَ الوَفاءُ به , إلا إذا نَذَرَ الصدقَةَ بمالِه كلِّه أو بِمُسَمًّى منه يَزيدُ على ثُلُثِ الكلِّ؛ فإنه يَجزِيهِ قَدْرُ الثلُثِ، وفيما عداها يَلْزَمُه الْمُسَمَّى، ومَن نَذَرَ صومَ شهرٍ لزِمَه التتابُعُ , وإن نَذَرَ أيَّامًا مَعدودةً لم يَلْزَمْه إلا بشَرْطٍ أو نِيَّةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت