فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 58

وكذلك القول في باب الرزق، وفي التسبب إليه بالكسب، وهو أمر مفروغ منه في الأصل، لا يزيده الطلب، ولا ينقصه الترك.

ونظير ذلك؛ أمر العمر، والأجل المضروب فيه في قوله عز وجل: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] .

ثم قد جاء في الطب، والعلاج، ما جاء، وقد استعمله عامة أهل الدين من السلف، والخلف، مع علمهم بأن ما تقدم من الأقدار، والأقضية لا يدفعها التعالج بالعقاقير، والأدوية

[شأن الدعاء: 11]

وإذا تأملت هذه الأمور، علمت أن الله سبحانه قد لطف بعباده؛ فعلل طباعهم البشرية بوضع هذه الأسباب؛ ليأنسوا بها، فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي تعبدهم به، وليتصرفوا بذلك بين الرجاء، والخوف، وليستخرج منهم وظيفتي الشكر، والصبر في طوري السراء، والضراء، والشدة، والرخاء، ومن وراء ذلك علم الله تعالى فيهم، ولله عاقبة الأمور، وهو العليم الحكيم، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] .

فإن قيل فما تأويل قوله سبحانه: {ادعوني استجب لكم} [غافر: 60] ، وهو وعد من الله جل وعز يلزم الوفاء به، ولا يجوز وقوع الخلف فيه؟ قيل هذا مضمر فيه المشيئة كقوله: {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} [الأنعام: 41] ، وقد يرد الكلام بلفظ عام، مراده خاص، وإنما يستجاب من الدعاء ما وافق القضاء، ومعلوم أنه لا تظهر لكل داع استجابة دعائه؛ فعلمت أنه إنما جاء في نوع خاص منه بصفة معلومة. وقد قيل: معنى الاستجابة: أن الداعي يعوض من دعائه عوضًا ما، فربما كان ذلك إسعافًا بطلبته التي

[شأن الدعاء: 12]

دعا لها، وذلك إذا وافق القضاء. فإن لم يساعده القضاء، فإنه يعطي سكينة في نفسه، وانشراحًا في صدره، وصبرًا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة دعائه، وهو نوع من الاستجابة.

[9] وقد روى: أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مؤمن ينصب وجهه لله، عز وجل، يسأله مسألة إلا أعطاه إياه إما عجلها له في الدنيا، وإما ادخرها له في الآخرة، ما لم يعجل، قالوا: وما عجلته؟ قال: يقول: دعوت، دعوت، فلا أراه يستجاب لي» .

قال الشيخ - رضي الله عنه: وإذا ثبت معنى الدعاء، ووجوب العمل به؛ فإن من شرائط صحته، أن يكون ذلك من العبد بإخلاص نيته، وإظهار فقر، ومسكنة، وعلى حال ضرع، وخشوع، وأن يكون على طهارة من الداعي، واستقبال للقبلة، وأن يقدم الثناء على الله عز وجل والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما دعائه، ومن سنته أن يرفع إلى الله عز وجل يديه، باسطًا

[شأن الدعاء: 13]

كفيه، غير ساتر لهما بثوب، أو غطاء، ويكره فيه الجهر الشديد بالصوت، وتكره الإشارة فيه بأصبعين، وإنما يشير بالسبابة من يده اليمنى فقط.

[10] وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يشير بأصبعين، فقال له: «أحد أحد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت