[7] و [بما روي] : «أن الدعاء، والقضاء، يلتقيان فيعتلجان ما بين السماء والأرض» .
وقال آخرون: «الدعاء واجب، إلا أنه لا يستجاب منه إلا ما وافق القضاء» . وهذا المذهب هو الصحيح، وهو قول أهل السنة والجماعة، وفيه الجمع بين الأخبار المروية عن اختلافها والتوفيق بينها.
فأما من ذهب إلى إبطال الدعاء، فمذهبه فاسد؛ وذلك أن الله سبحانه أمر بالدعاء، وحض عليه، فقال: {ادعوني استجب لكم} [غافر: 60] وقال عز وجل: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] . وقال تعالى: قل ما يعبأ بكم ربي
لولا دعاؤكم [الفرقان: 77] في آي ذوات عدد في القرآن.
ومن أبطل الدعاء، فقد أنكر القرآن، ورده. ولا خفاء بفساد قوله، وسقوط مذهبه.
فإن قيل: فإذا كان الأمر على ما ذكرتموه من أن الدعاء: لا يدفع ضررًا، ولا يجلب نفعًا، لم يكن جرى به القضاء، فما فائدته؟ وما معنى الاشتغال به؟ فالجواب: إن هذا من جملة الباب الذي وقع التعبد فيه بظاهر من العلم، يجري مجرى الأمارة المبشرة، أو المنذرة، دون العلة الموجبة، وذلك - والله أعلم - لتكون المعاملة فيه على معنى الترجي، والتعلق بالطمع الباعثين على الطلب دون اليقين الذي يقع معه طمأنينة النفس، فيقضي بصاحبه إلى ترك العمل والإخلاد إلى دعة العطلة. فإن العمل الدائر بين الظفر، بالمطلوب وبين مخافة فوته، يحرك على السعي له، والدأب فيه، واليقين يسكن النفس، [ويريحها] ، كما اليأس [يبلدها ويطفئها] ، وقد قضى الله سبحانه أن يكون العبد ممتحنًا، ومستعملًا، ومعلقًا بين الرجاء، والخوف اللذين هما مدرجتا
العبودية؛ ليستخرج منه بذلك الوظائف المضروبة عليه، التي هي سمة كل عبد، ونصبة كل مربوب، مدبر، وعلى هذا بني الأمر في معاني ما نعتقده في مبادئ الأمور التي هي الأقدار، والأقضية، مع التزامنا الأوامر التي تعبدنا بها، ووعدنا عليها في المعاد، الثواب والعقاب.
ولما عرض في هذا من الإشكال، ما سألت الصحابة: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
[8] «أرأيت أعمالنا هذه أشيء قد فرغ منه، أم أمر نستأنفه؟ فقال: بل هو أمر قد فرغ منه. فقالوا: ففيم العمل إذًا؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. قالوا: فنعمل إذًا» .
ألا تراه كيف علقهم بين الأمرين، فرهنهم بسابق القدر المفروغ منه، ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد، لتكون تلك الأفعال أمائر مبشرة، ومنذرة، فلم يبطل السبب - الذي هو
كالفرع - بالعلة التي هي له كالأصل، ولم يترك أحد الأمرين للآخر. وأخبر مع ذلك أن فائدة العمل هو القدر المفروغ منه، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فكل ميسر لما خلق له» . يريد: أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر به قبل وقت وجوده، وكونه، إلا أن الواجب. [عليك هاهنا] أن تعلم فرق ما بين الميسر، والمسخر، فتفهم.