الصفحة 105 من 391

وكَذَلِكَ لَو اسْتَهَانَ بالمُصْحَفِ، وأَلْقَاهُ في القَاذُورَاتِ، أو جَحَدَ مَا يُعْلَمُ مِن الدِّينِ بالضَّرُورَةِ كالصَّلَاةِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ.

وهل يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الخَمْسِ؟ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّه هل يَخْرُجُ مِن الدِّينِ بالكُلِّيَّةِ بذلك أم لَا؟ فمَن رَآهُ خُرُوجًا عنِ الدِّينِ، كانَ عندَه كتَرْكِ الشَّهَادَتَيْنِ وإِنْكَارِهِمَا، ومَن لَمْ يَرَهُ خُرُوجًا عَن الدِّينِ، فاخْتَلَفُوا هل يَلْحَقُ بتَارِكِ الدِّينِ في القَتْلِ؛ لكَوْنِهِ تَرَكَ أَحَدَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ لكَوْنِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الدِّينِ.

ومِنْ هذا البَابِ مَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِن العُلَمَاءِ في قَتْلِ الدَّاعِيَةِ إِلَى البِدَعِ؛ فإِنَّهُم نَظَرُوا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ شَبِيهٌ بالخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ، وهو ذَرِيعَةٌ ووَسِيلَةٌ إِلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَخْفَى بذلك ولَمْ يَدْعُ غَيْرَه، كَانَ حُكْمُه حُكْمَ المُنَافِقِينَ إِذَا اسْتَخْفَوْا، وإِذَا دَعَا إِلَى ذَلِكَ، تَغَلَّظَ جُرْمُه بإِفْسَادِ دِينِ الأُمَّةِ. وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمْرُ بقِتَالِ الخَوَارِجِ وقَتْلِهِم. وَقَدْ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِم.

فمَنْهم مَن قَالَ: هُم كُفَّارٌ، فيَكُونُ قَتْلُهُم لكُفْرِهِم.

ومنهم مَن قَالَ: إِنَّما يُقْتَلُونَ لفَسَادِهِم في الْأَرْضِ بسَفْكِ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ وتَكْفِيرِهِم لَهُم، وهو قَوْلُ مَالكٍ وطَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِنَا، وأَجَازُوا الابْتِدَاءَ بقِتَالِهِم، والْإِجْهَازَ عَلَى جَرِيحِهِم.

ومنهم مَن قَالَ: إِنْ دَعَوْا إِلَى ما هُمْ عَلَيْهِ قُوتِلُوا، وإِنْ أَظْهَرُوهُ وَلَمْ يَدْعُوا إِلَيْهِ لَمْ يُقَاتَلُوا، وهو نَصُّ أَحْمَدَ وإِسْحَاقَ، وهو يَرْجِعُ إِلَى قِتَالِ مَن دَعَا إِلَى بِدْعَةٍ مُغَلَّظَةٍ.

ومنهم مَن لَمْ يَرَ البَدَاءَةَ بقِتَالِهِم حَتَّى يَبْدَؤُوا بقِتَالٍ يُبِيحُ قِتَالَهُم مِنْ سَفْكِ دِمَاءٍ ونَحْوِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وكَثِيرٍ مِن أَصْحَابِنَا.

وَقَدْ رُوِيَ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بقَتْلِ رَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي، وقَالَ: (( لَوْ قُتِلَ، لَكَانَ أَوَّلَ فِتْنَةٍ وآخِرَهَا ) )، وفي رِوَايَةٍ: (( لَوْ قُتِلَ، لَمْ يَخْتَلِفْ رَجُلَانِ مِنْ أُمَّتِي حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ ) )، خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وغَيْرُه. فيُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى قَتْلِ المُبْتَدِعِ إِذَا كَانَ قَتْلُه يَكُفُّ شَرَّهُ عَنِ المُسْلِمِينَ، ويَحْسِمُ مَادَّةَ الفِتَنِ.

وقَدْ حَكَى ابنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُه عَن مَذْهبِ مَالكٍ جَوَازَ قَتْلِ الدَّاعِي إِلَى البِدْعَةِ.

فرَجَعَتْ نُصُوصُ القَتْلِ كُلُّها إِلَى مَا فِي حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وللَّهِ الحَمْدُ.

وكَثِيرٌ مِن العُلَماءِ يَقُولُ في كَثِيرٍ مِن هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ههنا: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِحَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ مِن وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ ابنِ مَسْعُودٍ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ تِلْكَ النُّصُوصِ كُلِّها، لَا سِيَّمَا وابنُ مَسْعُودٍ مِن قُدَمَاءِ المُهَاجِرِينَ. وكَثِيرٌ مِن تِلْكَ النُّصُوصِ يَرْوِيهَا مَن تَأَخَّرَ إِسْلَامُه كأَبِي هُرَيْرَةَ وجَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، ومُعَاوِيَةَ؛ فإِنَّ هؤلاء كُلَّهُم رَوَوْا حَدِيثَ قَتْلِ شَارِبِ الخَمْرِ فِي المَرَّةِ الرَّابِعَةِ.

والثَّانِي: أَنَّ الخَاصَّ لَا يُنسَخُ بالعَامِّ، وَلَوْ كَانَ العَامُّ مُتَأَخِّرًا عنه في الصَّحِيحِ الذِي عَلَيْه جُمْهُورُ العُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الخَاصِّ عَلَى مَعْنَاهُ بالنَّصِّ، ودَلَالَةَ العَامِّ عَلَيْهِ بالظَّاهِرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، فَلَا يُبْطِلُ الظَّاهِرُ حُكْمَ النَّصِّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بقَتْلِ رَجُلٍ كَذَبَ عَلَيْهِ في حَيَاتِهِ، وقَالَ لِحَيٍّ مِن العَرَبِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَنِي وأَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فِي دِمَائِكُم وأَمْوَالِكُم. وهَذَا رُوِيَ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وفي بَعْضِهَا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ قَدْ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، وأَنَّه لَمَّا قَالَ لَهُم هَذِهِ المَقَالَةَ صَدَّقُوهُ، ونَزَلَ عَلَى تِلْكَ المَرْأَةِ، وحِينَئذٍ فهَذَا الرَّجُلُ قَدْ زَنَى، ونَسَبَ إِبَاحَةَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهَذَا كُفْرٌ ورِدَّةٌ عَنِ الدِّينِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت